الرئيسية | قضايا وآراء | عوْد على بدء.. العدوان على «الشعيرات» ربما أعاد الأوضاع إلى مناخات 2012-2013

عوْد على بدء.. العدوان على «الشعيرات» ربما أعاد الأوضاع إلى مناخات 2012-2013

| عبد المنعم علي عيسى 

سجلت الأزمة السورية منذ خريف العام الماضي نزوعاً غريباً أميركياً نحو تغليب المسارات السياسية أو التسوية على مسارات التصعيد أو العسكرة ولربما يمكن لنا لحظ ميول عند هذا الثنائي السابق نحو إعطاء موسكو تفويضاً تاماً لإتمام العملية السياسية بعد أن أعطيت تفويضاً لعملية «عاصفة السوخوي» في 30 أيلول 2015، ومع الأيام الأخيرة من عمر الخريف الماضي، بدأت تباشير ذلك النزوع، وكذا ذلك الميل، بالظهور تدريجياً ولربما كانت حلقاته الأبرز تتمثل برباعية أستانا التي تمثل محاولة لكتابة «سيناريو وحوار» لنص روائي طويل ومعقد مثلته جنيف بحلقاتها الخمس.
إلا أنه من الواضح أن ذلك الحال الغربي الأميركي قد تبدل أو لم يعد قائماً فمشروع القرار الأميركي الفرنسي البريطاني الذي لم ير النور بعدما أسقطه الفيتو الروسي في 12 نيسان الجاري، يمثل بوضوح «وصفة» احتلال مكتملة المعطيات، بل هي تتفوق على الوصفة الليبية التي مثلها القرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن في 17 آذار 2011، ولربما كان الرئيس الروسي أول من قام بتوصيف تلك الحال عندما قال 11 نيسان الجاري: إن الوضع السوري الآن هو أشبه بالوضع العراقي عشية الغزو الأميركي له. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا؟ أو بمعنى آخر ما الأسباب التي دفعت الغرب من جديد إلى استعادة أسطوانته السابقة ذات «الأغنية» الواحدة إن لم تكن ذات المقطع الواحد من الأغنية أيضاً؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد لنا من القول إن هذا الحال الغربي الأميركي المتبدل من حدث لآخر، هو حال مكرور، وكثيراً ما أدت الأحداث السورية إلى حدوث منعطفات قصوى كان من شأنها أن تخرج العربة كلياً عن مسارها، وهو ما يطرح الكثير من التساؤلات حول الاستراتيجيات الأميركية والغربية المعتمدة في سورية، وصولاً إلى التساؤل الأبرز: هل الأحداث هي التي تخلق الاستراتيجيا أم إن العكس هو الصحيح؟
وفي الآن ذاته، كانت أغلبية الأحداث التي تستدعي «التكويعة» الأميركية تبدو هشة أو أن تفصيلها «غير راكب» عليها حتى ليجد المتابع غرابة في أن يؤدي أمر كهذا إلى نتائج كهذه، إذ لطالما أن مفهوم الاستراتيجيات لدى أغلبية المتابعين مقدس أو لا يمكن المساس به أو تغييره لسبب أو لآخر ما لم يكن ذلك السبب هو انقلاباً جذرياً في جميع المعطيات، ولربما كان ذلك التصور يحمل الشيء الكثير مما هو منطقي وواقعي، إلا أن المتابعة الدقيقة للاستراتيجيات الأميركية المتبعة في سورية تؤكد أن تلك الاستراتيجيات لم يجر المساس بها إطلاقاً وإن كان المشهد هنا ضبابياً، أو أنه يحتاج إلى المزيد من التمعن.
عاشت ولاية باراك أوباما الثانية ما بين 2013-2017، في أشهرها الأخيرة، حالة صراع داخلي يمثل صراع قوى ومصالح فيما يخص التعاطي مع الأزمة السورية، وهو ما تأكد عبر إلغاء اتفاق 9 أيلول 2016 مع الروس الذي رفضه جنرالات البنتاغون بعدما تم العمل على إشاعة مناخ عام محيط بسياسات أوباما مفاده أن السياسة الأميركية الراهنة تمثل اعترافاً صارخاً بالهزيمة بل أيضاً إعلان استسلام غير مشروط في مواجهة روسيا.
وفي غضون الصعود الصاروخي والمفاجئ لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض، سرى خوف متزايد في أوساط «الرافضين للاتفاق» السابق الذكر، وهو ناجم عن التصريحات التي كان يطلقها إبان حملته الانتخابية سواء أكان تجاه الحرب السورية، أم تجاه تقاربه مع الروس، وقد أدى ذلك الخوف إلى توسعة المناخ العام المحيط بسياسات ترامب، لكن هذه المرة مع حمل المطرقة التي يمكن أن تقوّم الإعوجاج إذا ما اقتضى الأمر ذلك، ظهر ذلك في تسريبات كانت قد بدأت تترسخ في أوساط القوى الفاعلة الأميركية من نوع: «إن ترامب هو رجل روسيا في واشنطن» أو «إن موسكو لها اليد الطولى في صناعة القرار الأميركي»، ومن ثم اتخذت تلك التسريبات طابعاً عملياتياً عبر القضية التي لا تزال قيد النظر أمام المحكمة الدستورية العليا ولربما سوف يطول الوقت كثيراً قبل أن يصدر حكم فيها وذاك أمر سيكون محكوماً بالصراع الدائر بين البيت الأبيض وبين الاستبلشمنت (المؤسسة الحاكمة الأميركية) أو المآلات التي يمكن أن يصل إليها، وفي هذا السياق كانت الضربة التي وجهت إلى مطار الشعيرات السوري في 4 نيسان الجاري والتي تعتبر كسراً لقوالب الجليد بينه وبين هذه الأخيرة، ولربما كان ترامب يريد أن يأخذ صك براءة ولو مؤقتاً أو مرهوناً، أو يريد أن يمهد قبيل أن يقدم بأي خطوة رسمية تجاه الروس، ومن الجائز الآن القول إن زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو في 11 نيسان الجاري ما كان لها أن تحدث بتلك السرعة أو أن تتهيأ مناخاتها بالشكل الذي جاءت عليه، لو لم تنل صواريخ التوماهوك الأميركية مواقع للجيش السوري أينما كان، وقد كان لافتاً تلك التنبؤات التي جاءت على لسان أكثر من قارئة فنجان واحدة والتي رافقت تيلرسون إلى موسكو، فقد أصدر مكتب رئيسه الوزراء البريطانية بياناً في 11 نيسان الجاري في أعقاب اتصال هاتفي جرى بين تيريزا ماي وبين ترامب وجاء فيه أن الاثنين يريان فرصة سانحة لتخلي موسكو عن النظام في دمشق، والأمر نفسه تكرر في بيان مجموعة G7 (السبعة الكبار) بعد اجتماعها يومي 11 و12 نيسان الجاري في مدينة لوكا الإيطالية، والسؤال الذي يبرز هنا هو: على أي قاعدة ابتنى هؤلاء تنبؤاتهم؟ ثم هل ما يجري داخل الغرف المغلقة هو كاف لتبريرها؟
في الملموس من الصعب أن نجد تبريراً لتلك التنبؤات من دون أن يعني ذلك نفيها بشكل قاطع، فعندما حضر تيلرسون إلى موسكو، كان يحمل معه عرضاً واضحاً ومحدداً مفاده باختصار: رفع العقوبات عن روسيا في مقابل أن توافق هذي الأخيرة على البدء بعملية انتقال سياسية تتضمن خروج الرئيس بشار الأسد من المشهد السياسي السوري تماماً، وعندما عاد إلى واشنطن لم يكن يحمل معه الكثير مما يغري أقلّه في المشهد السوري، وإن كان قد حمل كما يبدو ذلك في ملفات عديدة أخرى، وهو ما يمكن لمسه في التصعيد الأميركي تجاه كوريا الشمالية الذي وصل إلى حدود القول إن واشنطن يمكن لها التحرك باتجاه كوريا الشمالية، ولو اضطر الأمر من دون الصين على الرغم من أهمية هذه النقطة الأخيرة التي لم يكن لها أن تقال لولا وجود ضوء أخضر روسي ذي طيف واسع، أما الدليل على عودة تيلرسون بخفي حنين سوريين، فهو يتمثل بالإعلان عن العملية العسكرية الأميركية البريطانية الأردنية في 12 نيسان الجاري في الجنوب السوري والتي تهدف بالتأكيد إلى إقامة منطقة آمنة تكون بمنزلة زائدة دودية ملتهبة لدمشق، بعدما تعهد ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لدونالد ترامب في خلال لقاء الاثنين معاً في واشنطن في آذار الماضي بدفع 300 مليار دولار تكاليف قيام مناطق آمنة في سورية، وهي على أي حال ستشكل إذا أصبحت واقعاً على الأرض مصدر تهديد كبير لدمشق، وبدرجة أعلى من ذلك الذي كانت ستمثله نظيرتها في الشمال السوري لو قامت أو أصبحت واقعاً هي الأخرى.
باختصار، اليوم عدنا إلى مناخات 2012-2013 التي احتوت على سيناريوهات عدة لإسقاط دمشق، والصراع على أشده بين الروسي والأميركان ولذا فإن القول إن الروس هم الآن في وضعية تسمح لهم بالتخلي عن دمشق هو قول إعلامي لأنه من غير المنطقي أن يقوم أحد بالتخلي عن أهم أوراق قوته في مواجهة خصمه في الوقت الذي تبدو فيه جميع الخيارات مفتوحة.