عدوان «الشعيرات».. استعراض عضلات لاعتبار الأبعاد العسكرية أداة تفاوضية في الحوار الإستراتيجي

| قحطان السيوفي

إن قراءة الأحداث الدولية الساخنة والخطرة؛ ذات الصلة بالأزمة السورية تتطلب الإجابة عن عدد من التساؤلات التي فرضتها الوقائع العسكرية والسياسية.
المواقف الأميركية تجاه سورية قبل العدوان العسكري الأميركي الأخير على مطار الشعيرات؛ أثارت تساؤلات عن حقيقة هذه المواقف؛ هل كانت تحولاً في السياسة الأميركية أم مجرد مناورة سياسية؟ والحدث التالي، كان العدوان على مطار الشعيرات الذي طرح تساؤلاً حول الرسائل بالنار التي وجُهت للداخل الأميركي، أو لروسيا، وربما دعوة للتفاوض؟ ثم كيف يُقرأ اجتماع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون في موسكو؟ وما تلاه من اجتماع لرؤساء الدبلوماسية السورية والروسية والإيرانية في موسكو؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال في إحدى حملاته الانتخابية: إن النظام في دمشق يحارب داعش فلماذا نقاتله؟ وردد عشية الانتخابات الرئاسية أن الحرب على التنظيم الإرهابي أولوية، وقبل العدوان بأيام كررت مندوبته لدى الأمم المتحدة: «لم تعد إزاحة الأسد أولوية». وفي مؤتمر صحفي عقده، وزير الخارجية تيلرسون مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو في أنقرة، أكد أن «الشعب السوري هو الذي سيقرر مستقبل الرئيس بشار الأسد على المدى البعيد»، وفي اليوم التالي صرح الناطق باسم البيت الأبيض: «إن هناك واقعاً سياسياً في سورية يجعلنا نركز على هزيمة داعش».
التصريحات الأميركية لم تكن تحولاً، وإنما مناورة وابتزاز بوجوه متعددة لحلفاء أميركا في المنطقة، وطمأنة مخادعة للروس، تلاها فبركة مسرحية الغاز الكيميائي في بلدة خان شيخون المُحتلة من جبهة النصرة الإرهابية التي تتبع تنظيم القاعدة، ليقوم بعدها ترامب بعدوان عسكري على مطار الشعيرات دون إجراء أي تحقيق دولي، أو الحصول على موافقة من مجلس الأمن، أي التهمة جاهزة والقرار مُتخذ مسبقاً.
روسيا مستهدفة بالعدوان، وجاء ردها حازماً واعُتبرته «عدواناً على دولة ذات سيادة» مُتهمة واشنطن «بممارسة التضليل»، كما علقت اتفاقية السلامة الجوية الموقعة مع الولايات المتحدة عام 2015، ودعت مجلس الأمن إلى الانعقاد لبحث العدوان، ما جعل موسكو وواشنطن على حافة حرب ساخنة، ولوحت روسيا بمواقف رادعة لوقف العدوان لكنها أبقت الباب مفتوحاً لتسوية سياسية، قبل اللقاء الأول المتوقع بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.
مشهد الصراعات داخل الإدارة الأميركية يشير إلى أن العدوان جاء في إطار عدة احتمالات؛ بعضها ضغوط من اللوبي العسكري والأمني الاستخباراتي على الرئيس ترامب، أو الأمر مناورة ترامبية داخلية سياسية للحد من تصاعد الانتقادات الموجهة لإدارة ترامب واتهامه بالتقارب مع الروس، ولا ننسى أن ترامب وجه بالعدوان على سورية بعد لقاءاته واتصالاته مع زعماء عرب حلفاء، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ومن المؤكد أنه أبلغهم بقرار العدوان على سورية، ويبدو أن من أهداف العدوان دعم التنظيمات الإرهابية وهذا ما أكدته صحيفة «ازفيستيا» على موقعها الإلكتروني: «ترامب يرسل صواريخ التوماهوك لإسعاد الإرهابيين»، وتساءلت: «ألا يلعب الأميركيون في ملعب الإرهابيين؟»، كما أن العدوان يهدف إلى تقليص القدرة الجوية للدولة السورية التي تحارب الإرهاب.
لعل من أهداف «الضربة العدوان» بعد مسرحية خان شيخون المُفبركة، أن ترامب حاول تقديم نفسه كبطل إنساني، وليوجه رسالة لكوريا الشمالية، في وقت استضاف فيه الرئيس الصيني تشي جين بينغ.
من ناحية أخرى، تُسمع أصوات في أميركا تنتقد عدوان ترامب وتطالب بإجراء تحقيق دولي، منهم السيناتور الأميركي الجمهوري ريتشارد بلاك الذي قال: «إذا ذهبنا إلى سورية بناء على معلومات قدمها الإرهابيون، فإننا سندخل في حرب عالمية ثالثة، وإذا أسقطنا (الرئيس) الأسد، فإننا نساعد داعش».
إن العدوان الأميركي على سورية، نقل الحرب السورية إلى المحور الدولي، ووضع ترامب أمام خيارين إما الاستمرار في المواجهة، وإما يعود إلى منطق التفاهمات وخصوصاً بعد زيارة وزير خارجيته إلى موسكو.
قواعد الاشتباك تغيرت، إما الحرب الكبرى وإما التفاهم، ويبدو أن الاجتماع الرسمي الأول لوزيري الخارجية الأميركي والروسي؛ أدى إلى تفاهمات خففت التصعيد، ومنع جرّ العالم إلى مواجهة خطرة، ولعل من إيجابياته قبول الرئيس بوتين استقبال تيلرسون، وهذا دليل على بدء حديث جدي بين الإدارتين الأميركية والروسية، وربما كان مشروطاً بالتفاهم على تعهّد أميركي بوقف التصرف بانفراد، من خارج التنسيق الثنائي، وبدايات التفاوض السياسي. والإعلان عن اجتماع الهيئة العليا لمنظمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية في لاهاي لتشكيل فريق تحقيق في حادثة خان شيخون، وبدعم روسي أميركي.
بالمقابل يبدو أن إدارة ترامب، المتقلبة المواقف، فهمت محدودية آثار العدوان عسكرياً ومدنياً، ما استدعي العودة للسياسة، وقد عبرت السفيرة الأميركية في مجلس الأمن عن المواقف الأميركية؛ مشددة على «الشراكة» التي تريدها الولايات المتحدة مع روسيا في سورية، وتأكيد وحدة أراضي سورية، وأولوية الشراكة لضرب داعش، وكأن ترامب أراد من العدوان على سورية رسم الخطوط الحمر في الرمال نحو روسيا وليس فقط نحو سورية.
لقد أظهر الفيتو الروسي لإسقاط المشروع الغربي بحق سورية، انتصار وجهة النظر الروسية والعودة للتفاوض والتفاهمات السياسية للحل السياسي في سورية بعد هزيمة داعش، وترامب يعي أن سورية وحلفاءها روسيا وإيران، مصممون على مكافحة الإرهاب؛ لذلك قرر استعراضاً لعضلاته وإنهاء أسلوب النأي بالنفس الذي اتبعه أوباما، واعتبار الأبعاد العسكرية، أداة تفاوضية في الحوار الإستراتيجي للوصول إلى التفاهمات.
ترى متى تدرك الدارة الأميركية أن العالم قطبية ثنائية، وأن أسباب العدوان على سورية مُفبركة، وتداعياته محدودة، والعدوان لم يؤثر في قدرة الدولة السورية على ضرب الإرهاب؟
إن سورية «مُصممة على ضرب الإرهابيين في أي مكان في سورية»، وتصر سورية وحلفاؤها على إجراء تحقيق دولي ونزيه حول حادثة خان شيخون، وسورية الدولة مستعدة للتعاون مع أي جهة دولية جادة فعلاً بمحاربة الإرهاب، لأن سورية تحارب الإرهاب دفاعاً عن الوطن السوري، ونيابة عن العالم.