التراث في زمن المخاطر … المخطوطات ثروة وطنية تحتفظ بها المكتبات في مجموعات خاصة محدودة الإتاحة

| سارة سلامة

المخطوط العربي هو كائن حضاري يمثل تاريخنا وجذورنا ويعتبر الرصيد المعرفي والهوية التي شاركت في إنتاجها أديان متعددة وشعوب مختلفة على جغرافيا واسعة، وتاريخ ممتد، ويبقى المخطوط حياً خالداً رغم مضي قرون كثيرة على إنجازه لأنه يختزن عوالم المعرفة والفكر والعلم والفن، ونظراً لأهمية هذا الموروث الثمين كان لا بدّ من الاطلاع على آلية حفظه وحمايته وخصوصاً في ظل المخاطر التي تتعرض لها سورية في محاولة ممنهجة لإخماد ذخرها الحضاري والثقافي.
واحتفاءً «بيوم المخطوط العربي» الذي أقرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ألكسو»، منذ عام 2013 في الرابع من نيسان من كل عام، أقام مجمع اللغة العربية في دمشق ندوة بعنوان «التراث في زمن المخاطر»، ركزت على أهمية الحفاظ على التراث المكتوب بوصفه ثروة قومية ومرجعاً أساسياً في جميع ميادين العلوم يرتبط بالذاكرة والوجود الحضاري.

المخطوطات.. تحف فنية
وافتتح الندوة رئيس المجمع الدكتور مروان المحاسني بكلمته التي أكد فيها أن: «التراث هو المنطلق الأصلي لذاتيتنا الثقافية وانتمائنا إلى الثقافة العربية الأمر الذي يحمل إلينا سيلاً معرفياً وتجارب إنسانية تشترك في بناء شخصيتنا الحضارية».
وأضاف المحاسني إن: «المخاطر قادرة من السيطرة على المقومات المادية الحاملة للتراث الحافظة له، فهي تستطيع أن تقضي عليها قصداً أو عرضاً ولاسيما في زمن الحروب والكوارث الطبيعية»، مشيراً إلى أن «تراثنا عندما يكون حياً في أذهاننا سيصبح المسيطر على تعاملنا مع ما يحيط بنا من أحداث وظروف طارئة والناظم الوجداني لكل فرد في تعامله مع الآخر» داعياً في الوقت ذاته «لإحاطة تلك المخطوطات بالرعاية والعناية الدائمة بها باعتبارها تحفاً فنية علمية ثمينة يجب أن تكون في متناول الباحثين في أنحاء المعمورة».

مؤثرة في تطور الحضارة
ومن جانبه أوضح عميد معهد التراث العلمي العربي الدكتور مصطفى موالدي في كلمة ألقاها عنه الدكتور محمود السيد بخصوص «آلية الحفاظ على المخطوطات في أيام الخطر»، في هذا المحور أن «المخطوطات العربية، التي ألفها العلماء العرب والمسلمون، لبنة من لبنات صرح الحضارة الإنسانية في جميع فروع البشرية» مبيناً «أهمية الحفاظ على المخطوطات العربية وتحقيقها ودراستها ونشرها لأنها تعد مظهراً من مظاهر النشاط الفكري المعرفي في الحضارة العربية، المؤثر في تطور الحضارة الإنسانية بشكل ملموس».
وأشار موالدي إلى حزمة من الإجراءات الضرورية الواجب اتخاذها للمحافظة على المخطوطات ومنها: «تصوير كل المخطوطات الوطنية تصويراً رقمياً، إعداد فهارس نوعية تخصصية بالمخطوطات، تكليف إحدى مديريات وزارة الثقافة إعداد سجل رسمي لتسجيل المخطوطات العامة والخاصة مع صفاتها الدقيقة، توزيع المخطوطات الأصلية على عدة أماكن آمنة، منع إخراج المخطوطات الأصلية بأي شكل من الأشكال خارج حدود الوطن، معالجة وسائل حفظ المخطوطات «أقراص CD، أشرطة ميكروفيلم، شرائح الميكروفيش، النسخ الورقية المصورة عن المخطوطات الأصلية»، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المهتمة بحماية التراث الثقافي وبخاصة المخطوطات..».

ثروة وطنية
وبدروه أكد الدكتور عبد المجيد مهنا في كلمته التي ألقتها نيابة عنه الدكتورة عبير العساف في قسم المكتبات بجامعة دمشق «المخاطر التي تواجه المخطوطات وكيفية الحفاظ عليها في البيئة التقليدية»، بوصفها تشكل ثروة وطنية تحتفظ بها المكتبات في مجموعات خاصة محدودة الإتاحة، ولا يقتصر حفظها على إجراء المعالجة والترميم بل يشتمل أيضاً على تأمين البيئة المحيطة مثل: ضرورة الكشف الدوري المتكامل للمخطوطات وخاصة لأجزائها الداخلية للتأكد من سلامتها وعدم تعرضها لأضرار وآفات معينة، والعمل على عزل المخطوطات المصابة بالفطريات وغيرها من الحشرات والآفات حال اكتشاف ذلك ووضعها بعيداً عن المخطوطات السليمة، حماية المخطوطات من عوامل التلوث الجوي وذلك عن طريق غلق الأبواب والنوافذ بشكل متقن، اتخاذ الاحتياطات والإجراءات السريعة للمحافظة عليها من الدمار والضياع في حال الحرائق الفيضانات والزلازل والحروب..».
وأشار مهنا إلى محور الرقمنة من حيث المفهوم والأهمية إضافة إلى المتطلبات والمراحل الرئيسية لإطلاق مشروع الرقمنة والإشكاليات المرافقة له وهو «عملية أو إجراء لتحويل المحتوى الفكري المتاح على وسيط فيزيائي تقليدي مثل «مقالات الدوريات، الكتب، المخطوطات، الخرائط..»، إلى شكل رقمي، مستعرضاً نماذج محلية تعمل حالياً على رقمنة مصادرها التراثية كمكتبة الأسد الوطنية ومركز الوثائق التاريخية بالمديرية العامة للآثار والمتاحف وغيرها».

صون التراث السوري
ومن جانبها أكدت الباحثة أمينة حسن من مكتبة الأسد الوطنية في محورها بعنوان «مشروع صون التراث السوري العاجل»، ضرورة توحيد الجهود لإنقاذ المخطوطات وحمايتها من المؤسسات وليس الأفراد فقط، لافتةً إلى أن مشروع صون التراث السوري مبادرة مهمة لحماية هذا التراث من أعمال الدمار والتخريب التي قد تطول سورية، داعيةً إلى إعداد محاضرات وأنشطة في المراكز الثقافية والمجامع اللغوية ووسائل الإعلام الدولية والإقليمية والوطنية لتوعية المثقفين والعاملين وأصحاب الخبرة لفهم الواقع واتخاذ التدابير اللازمة والسريعة لحماية التراث وصونه.

حفظها على الشابكة
وبدوره تحدث عضو مجمع اللغة العربية مأمون الصاغرجي عن آلية الحفاظ على المخطوطات وصيانتها معتبراً أن انتشار المخطوط على الشابكة هو من أهم الوسائل الناجعة في الحفاظ على المخطوطات من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها نتيجة عوامل داخلية وخارجية ولاسيما أن قراءة المخطوط على الحاسوب «أجدى وأنفع من رؤيته البصرية الحقيقية»، وخاصة إذا كان مصوراً بتقنية عالية الجودة وبالألوان الطبيعية وذلك لما يتمتع به الحاسوب من قدرة على التحكم بأوضاع التصوير.

في المخطوطات كنوز
وفي تصريح خاص لـ«الوطن» أكد الدكتور محمود السيد الذي أدار الندوة أن «أهمية هذا البحث وهو حفظ المخطوطات تأتي من أن وطننا العربي يتعرض في الوقت الحاضر لمخاطر متعددة، وبذلك كان من الواجب علينا أن نحافظ على التراث الذي خلفه لنا الآباء والأجداد، وتأتي المخطوطات مكونة جانباً مهماً من هذا التراث»، مضيفاً: إننا «عملنا من خلال هذه الندوة على تسليط الأضواء على كيفية وآلية الحفاظ على هذه المخطوطات في هذا الزمن الذي تتعرض له بلادنا إلى أبشع أنواع المخاطر التي عرفها التاريخ، وبذلك كان المعنيون بهذه المخطوطات من مكتبة الأسد وجامعة دمشق ومجمع اللغة العربية ومعهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب وكانت هنالك بعض المقترحات وبعض التوصيفات هي الآيلة على كيفية الحفاظ على المخطوطات».
وأفاد السيد «في الندوة سُلطت الأضواء على أهمية المخطوطات من جانب، وعلى آلية الحفاظ عليها من جانب آخر، لأن في هذه المخطوطات كنوزاً، مشيراً إلى أنه «لا يمكننا النظر نظرة القداسة إلى كل ما ورد في تراثنا بل لا بدّ لنا من النظر إليه نظرة عقلانية وأن نعزز الإيجابيات ونتلافى السلبيات وألا ننسى أن هنالك معقولاً في تراثنا وهنالك أموراً غير معقولة».
وفتح في نهاية الندوة الباب للنقاشات حيث وجه عضو المجمع الدكتور وهب رومية سؤالاً للدكتورة عساف قائلاً إنه لاشك أن فكرة الرقمنة فكرة براقة ومغرية ولكن ماذا عن إمكانية رقمنة مخطوط خطه غير مقروء، وكان الجواب أنه عند اتباع الرقمنة هناك سياسة لاختيار المخطوطات فليس كل المخطوطات تكون قابلة للرقمنة لأن بعضها يكون هشاً ولا يتحمل.