من دفتر الوطن

قلوب.. لا تموت!

عصام داري : 

تخرج فجأة من بحار الدهشة والسحر، تهاجمك عيناها الوحشيتان بقوة، تخطف قلبك وكأنك مراهق صغير، تجد نفسك وقد فقدت القدرة على الحراك.
هي حكاية رومانسية تأتي في الوقت الضائع، بعد أن انصرف الربيع، وغطت الثلوج مفارق الطرق، قد تبدو نوعاً من حلم قديم يعود شبحه ليخيم على مساحات الفكر ويلقي بظلاله الرقيقة على الروح المتعبة.
نحتاج أحياناً إلى العودة نحو الوراء، نستعيد زمناً كان حلواً نسميه الزمن الجميل، عهد المراهقة والبراءة والحب من أول نظرة، ودقات القلب التي تعزف مقطوعة موسيقية ترتجف لها أوصالنا، وتسري قشعريرة لذيذة في الجسد لمجرد أن أيدينا لمست يد المحبوبة.
اختلفت الدنيا، وتغيرنا نحن، لم نعد كما كنا، ولم نصبح كما كنا نحلم، نمنا في العسل طويلاً حتى اكتشفنا أن الأحلام تبقى أحلاماً، وأن الدروب التي رسمناها لمسيرة حياتنا قد قادتنا إلى محطات لم تكن في حساباتنا، فضاع الحلم، وأضعنا الواقع، وها نحن اليوم نحنّ إلى زمن المراهقة القديم.
هل يكفي أن تشرق عينان وحشيتان من وراء الطبيعة كي تهزنا من الأعماق، وأن تجعل الخريف ربيعا يزهر وروداً وأحلاماً سحرية، وأن يشعر الإنسان أنه يستعيد شريط حياته كفيلم سينمائي طويل ممتع وشهي؟.
وهل يمكن لأشجار أصابها اليباس، وصارت إلى حطب وشوك أن تطرح زهراً وثمراً وعطراً؟.
الحنين إلى ذلك الزمن الجميل لا يفارقني، لكن إشراقة عينيه أشعلت النيران في صدري، وحرك المياه الراكدة، وجدد أحلاماً كادت تصير نسياً منسياً.
إنه نوع من توهج روحي كان خامداً كبركان، وينتظر لحظة ضعف في النفس الإنسانية حتى يتفجر شعراً ونثراً وألحاناً تسكر السامعين، وأن تنتشر خيوطاً من ضوء ونور وتشكل لوحة أخّاذة لم تر عين البشر مثيلاً لها.
لا أدعي أنه عشق كان في سبات شتوي طويل أيقظته نظرة خاطفة من صبية مسافرة في الزمن، أو هجوم جنوني من هاتين العينين الوحشيتين اللتين ضبطاتني بالجرم المشهود وأن أعبر عن دهشتي وانبهاري بتينك العينين، إنما هو هذا الهوى الساكن فينا، المسجون في أعماقنا، والمتمرد على صلابتنا وقسوتنا، وآن له أن يحطم القيود ويخرج إلى النور.
يحق لنا في كل مئة عام أن نتمرد على الزمن، وأن نشطب التقويم من حياتنا، وأن ندون ملحمة عشق بطلتها تلك المسافرة عبر الزمن وما بين النجوم، ونعلن للعالم أن القلوب لا تموت بمرور السنوات والعقود، وأن الزهر قادر على التجدد كل موسم، وأن السنونو عندما يعود يولد فينا ألف ربيع وربيع، وتتفجر ينابيع وعيون، وتأخذ أحزاننا إجازة، نتمنى أن تطول.
نحن أحفاد عشتار وأدونيس وصراع الطبيعة من أجل ولادة ربيع جديد، وخصب لا ينتهي، أفلا يحق لنا الهرب من سجن الزمن، وحقد أعداء الحب والحضارة الإنسانية ولو ليوم واحد في العام نسلم فيه أنفسنا لصاحبة العينين الوحشيتين؟.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock