ثقافة وفن

درب الياسمين…بناء المقاومة وديمومتها

وسام حمود : 

في ظل غياب الأعمال الدرامية التي كانت تحاكي سيرة ذاتية، أو حقبة تاريخية، لأشخاص يمتلكون حسا عاليا من الوطنية ووهبوا روحهم من أجل وطن، وأرض، وتاريخ، وحضارة، ومنها رأفت الهجان، الذي لم يغب حتى اليوم من ذاكرة المشاهد العربي، يستمر مركز بيروت الدولي للإنتاج والتوزيع الفني بتقديم دراما المقاومة في كل موسم ويتصدر هذا النهج اليوم مسلسل درب الياسمين، الذي يرصد البيئة الاجتماعية والجهادية لقرية جنوبية مقاومة هي قرية أنصارية، في الفترة الممتدة بين حزيران 1996 وأيلول 1999، حيث يتناول عدة محاور متداخلة.

المحور الأول
اجتماعي يتحدث عن البيئة الحاضنة لفكر المقاومة وخاصة العنصر النسائي الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من أجزاء التركيبة الاجتماعية لمقاومة الظلم والتحديات وقهر العدو وتكبيده خسائر فادحة، كما يبرز المسلسل أهمية دور رجال الدين الريادي في بناء المقاومة وديمومتها، وحماية بعض الناس الذين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة من خلال الوقوع في مستنقع العمالة والخيانة.

المحور الثاني
وهو محور أمني يتحدث عن عملية الكر والفر بين المقاومة والعدو الصهيوني في ما يتعلق بالجانب الاستخباراتي وتجنيد العملاء بالإضافة إلى زرع أشخاص يشكلون عيونا للمقاومة داخل الكيان الصهيوني،.

المحور الثالث
عسكري يحكي تفاصيل الملحمة الرائعة التي قضت بها المقاومة على ثلّة من جنود النخبة في الجيش الإسرائيلي، وأذلّت بها قياداته العسكرية والأمنية. ويعتبر هذا المحور هو النقطة المفصلية في المسلسل من حيث الدقة في التنفيذ، والصعوبة فيه تكمن في كيفية تطبيق ما حصل فعليا على أرض الواقع نظرا إلى حساسية الكشف عن بعض النقاط التي استخدمت لتنفيذ الكمين من المقاوم،. بالإضافة إلى أهمية تجسيد بطولات المقاومة في العملية النوعية والتي سجلت في تاريخها كعملية غاية في الدقة والتنفيذ تكبد خلالها العدو خسائر فادحة.
• أحمد زين الدين: مدير عمليات الإنتاج والعلاقات العامة في «مركز بيروت الدولي للإنتاج والتوزيع الفني» وفي معرض سؤالنا عن الأعمال الدرامية التي تحاكي نهج المقاومة هل تلقى رواجا وقبولا من المشاهد في ظل ما تقدمه الدراما اليوم من أعمال مختلفة، أكد أن الدراما أنواع ولكل نوع هواة ومشاهدون، ونحن في لبنان كما العالم العربي أصبح شهر رمضان موسما لأعمال الدراما، بل هناك زحمة أعمال وكل عمل يختلف عن الآخر، ونحن في لبنان أردنا أن تكون أعمالنا تتحدث عن التاريخ المشرّف للمقاومة، لأجل الأجيال حتى تتكرس ثقافة المقاومة والممانعة في وجه الاستكبار العالمي من خلال تخليد بطولات المقاومة وإبطالها، وهناك الملايين من هواة وعشاق مثل هذه الأعمال وينتظرونها بشغف، وحول الرسالة التي يحملها العمل أكد زين الدين أنه في أي عمل تلفزيوني أو سينمائي هناك عدد من الرسائل التي يمررها المنتج لإيصال مبدأ أو فكرة أو ثقافة ما، ورسالتنا واضحة: مقاومة الظلم والاستكبار ودحر المحتل من كل بلادنا العربية والإسلامية لأنه أمر إلهي، وحول الصعوبات التي تواجه أعمال المقاومة من ناحية الترويج لها أكد أحمد زين الدين أنه لا يخفى على أحد أن الأوضاع الإقليمية في المنطقة تشهد صراعا عسكريا وإعلاميا، واقتصاديا وثقافيا، ومما لا شك فيه أن أكثر القنوات هي قنوات مسيسة ومدفوعة الأجر المسبق من عدد من الدول المعروفة وعليه نعم هناك محاربة لمثل هذه الأعمال، ومن ناحية الصعوبات التي تواجه تنفيذ هذه النوعية أكد أنه لا توجد صعوبات تذكر في إنتاج مثل هذه الأعمال، وبوجود إدارة سليمة وتنظيم أمورها تكون الأمور سهلة، كما تمنى أحمد زين الدين من كل الدول الشريفة أن تساند شركات الإنتاج، لإنتاج أعمال ضخمة تخلد بطولات المقاومة، وتخلد بطولات الجيش العربي السوري في مواجهة الهجمة الكونية على سورية وعلى دول الممانعة للتسجيل للقادم من الأجيال حقيقة ما جرى وما يجري.. كما أنه واجب على كل مخرج ومنتج وفنان أن يحمل قضية وطنه وشعبه لكل أنحاء العالم من خلال أعماله وفنه.

بصمة سينمائية خاصة
مركز بيروت الدولي في أعماله السابقة استعان بمخرجين سوريين، لهم بصمتهم في الدراما السورية، ولكن في درب الياسمين كان هناك لغة سينمائية خاصة للمخرج اللبناني إيلي. ف حبيب، فبصمته تجلت بوضوح من خلال وتيرة العمل وتنفيذه، والصورة المختلفة التي قدمها من كاميراته.
الكاتب فتح الله عمر نسج نصا نموذجيا، حيث قدم المقاوم بصورة واقعية، لم تظهر في الأعمال السابقة حيث سلط الضوء على حياته الاجتماعية، مبيناً أن المقاومين ليسوا فقط هؤلاء الذين يحملون السلاح ويقاتلون بل هم يحبون ويعشقون ولديهم أولاد يهتمون بهم، ولديهم مشاكل اجتماعية وضائقات مادية.

دراما المقاومة تواجه دراما المال
في ظل ما نتابعه اليوم من أعمال درامية لا تحصى، منها ما يتناول الواقع العربي وما يعيشه من أزمات بصورة مكررة، ومنها ما كسر خطوطا حمراء والإباحية فيه باتت مفتاحا لشركات الإنتاج التي تتنافس على نصوصها بحكم أنها الجاذب الأكبر للمتلقي بحكم التطور المختلف على مفهومه في مجتمعاتنا، تبقى الأعمال الدرامية التي تحمل مفاهيم راقية، ووطنية، وتكرس ثقافة لم تعد تقبلها المحطات العربية بحكم السياسة التي باتت تتدخل حتى في الفن وأهله، والخراب الكبير الذي تعيشه درامانا اليوم ما هو إلا نهج ملفوف بورق سولفان سياسي مؤدلج لأهداف لا داعي لشرحها لأنها لا تغيب عن أحد.. ومع كل حضارة الفن التي يزعمها البعض، يبقى درب الياسمين مزهرا في صفحة الدراما العربية، وسيعرش الياسمين مرة أخرى في كل الدروب.
فدرب الياسمين ماضٍ مقاوم، وحاضر مقاوم، وسيُفرعُ لمستقبل مصيره مقاومة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock