أم المؤامرات في التاريخ الحديث؟

| صياح عزام 

يميل البعض إلى القول إن كل شيء بالمطلق مؤامرة، وهذا قول خاطئ، ولكن في الوقت ذاته، نَفْي وجودها بالمطلق أمر مرفوض، فعقلية التآمر مسألة موجودة في كل الحالات، لأن الكثير من الأحداث الكبرى في التاريخ هيمن عليها كاذبون وأداروها من الغرف المظلمة والأماكن السرية، وأن الماسونية هي رأس الأفعى في التآمر على هذا العالم من أجل التحكّم به وهذا ما يعتقد به الكثير من المفكرين، منهم على سبيل المثال المفكر الأميركي الكبير وليام كار مؤلف كتاب «الأحجار على رقعة شطرنج» حيث قال: «إن الحروب وبعض ما يُسمّى «ثورات» هي مجرد مؤامرات يُنفّذها البشر من دون وعي منهم لمصلحة فئات كاسرة تقبع في الخفاء وتريد السيطرة على موارد الشعوب».
إن الذاكرة العربية مُشبعة بالشواهد والوقائع، بدءاً من اتفاقية سايكس بيكو، مروراً بوعد بلفور، والعدوان الثلاثي على مصر، ووجود حكام عرب لا يجيدون حتى القراءة والكتابة، بالإضافة إلى تأسيس الجامعة العربية وميثاقها الذي جاء ممسوخاً بأيدٍ بريطانية، إضافةً إلى الإرث التاريخي للتيارات الدينية التفكيرية، والحرب على العراق، ثم ما يجري في سورية منذ أكثر من ست سنوات تحت عنوان «الربيع العربي»؛ كل ذلك وغيره يُشكّل عوامل تستحق التوقّف عندها.
السؤال هنا: هل هذه الأحداث التي جرت كانت محض مصادفة؟ أم إنها مخططات مدروسة ومرسومة سابقاً، ليبقى العرب في حالة من التخبّط والشرذمة والتبعيّة؟ الوقائع كلها تشير إلى الدور التآمري لمعظم الملوك والأمراء العرب، فهم تاريخياً خنجر مسموم في جسد أي مشروع عربي من شأنه أن يعيد الأمل للأمة العربية، ولا يملكون أية رؤية، أو أفق، أو وجهات نظر صحيحة تدرس أخطاء الذات لتعالج الأسباب.
إن أكثر ما يؤلم، هو القضاء على كثير من الإنجازات الضخمة التي حققتها الدول العربية بشكل عام وسورية بشكل خاص، وتدمير هذه الإنجازات بسرعة قياسية على يد جهلة ومرتزقة أصابهم العمى والجنون وقبلوا أن يكونوا أدوات قتل وتدمير للجيش والدولة السورية باسم الدين الإسلامي ومن أجل الحرية، تحت عناوين الضرورات تبيح المحظورات وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، عملاً بأفكار زعيم الإخوان المسلمين سيد قطب وما جاء في كتابه الإخواني «ملامح في الطريق»، حيث قدم فيه أفكاراً جهنمية قاتلة ومتطرفة تحولت مع الزمن إلى نموذج جهادي إرهابي شوه مفاهيم وقيم الدين الإسلامي الحنيف، فهؤلاء القتلة الإرهابيون الذين يقاتلون في سورية جاؤوا من باكستان وأوزباكستان وأفغانستان والشيشان وتركيا وأندونيسيا وبعض الدول الإفريقية والعربية وحتى من أوروبا للجهاد في سورية، لقاء المال الذي يدفع لهم من السعودية وقطر وتركيا، علماً بأنهم لا يفقهون شيئاً من الدين الإسلامي، بل يحفظون بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من دون أن يفهموا معناها، وأكثرهم لا يتحدث العربية، وبالتالي كان من السهل أدلجتهم وجعلهم إرهابيين قتلة، وجل ما يعرفونه أن من يقتل «كافراً» حسب سادتهم الملقنين من أمثال «مفتي الناتو» الإخواني يوسف القرضاوي يدخل الجنة ويتزوج 72 حورية من حوريات الجنة.
هؤلاء اليوم هم من أركان «الثورة السورية» المزعومة من أجل الحرية بنظر الغرب واتباعه وأدواته الإقليمية، وبذلك، تكتمل حلقات التزوير الإعلامي والسياسي والعسكري والأخلاقي، حيث لم يسمع أحد في التاريخ أن هناك ثائراً يدمر ويذبح ويغتصب ويسرق، بئس ثواراً مارقين ومجرمين ومرتزقة هم في زمن تتحكم بمساره قوى استعمارية وعميلة وتابعة، بدلاً من القوى الوطنية الأخلاقية والإنسانية.
لقد أوردنا في مقدمة الحديث بعض فصول المؤامرات على العرب والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى، وقد كانت مسرحية الكيميائي في خان شيخون فصلاً من فصول المؤامرة.
باختصار، ما يجري على الأرض السورية منذ أكثر من ست سنوات من قتل وتدمير همجي من قبل عصابات مسلحة مأجورة بدعم من الغرب ومن تركيا وبتمويل سعودي قطري، ليس مؤامرة على سورية فحسب، بل يُشكل «أم المؤامرات» في التاريخ الحديث.
ولكن سورية بفضل صمود شعبها الأبي وبطولات قواتها المسلحة ودعم الأصدقاء، والأشقاء في المقاومة الوطنية اللبنانية ستنتصر على هذه المؤامرة بإذن الله، ولن يستطيع المتآمرون والحاقدون أن ينالوا من خطها الوطني القومي العروبي.