«معهد دراسات الحرب» الأميركي: على واشنطن العمل لمنع انحراف تركيا بعيداً 

| عن «معهد دراسات الحرب» الأميركي – ترجمة إبراهيم خلف

انتقد باحثون أميركيون الطريقة التي تتعاطى فيها الإدارة الأميركية مع تركيا، مطالبين بنهج إستراتيجية أوسع للتعاون معها، والحيلولة من فقدانها كشريك مهم مقابل تحقيق مكاسب على تنظيم «داعش» الإرهابي في سورية.
وفي تقرير نشره «معهد دراسات الحرب» الأميركي، طالب الباحثان السياسيان إليزابيث تيومان وإيثان بودوين واشنطن بالعمل على منع انحراف تركيا بعيداً عن أميركا وأوروبا من خلال إعادة صياغة شروط التعاون معها، بغية تدمير الجماعات الإرهابية والعمل على تراجع تأثير التحالف الروسي الإيراني.
وأشار التقرير إلى ضرورة قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي التقى أمس الأول نظيره التركي رجب طيب أردوغان بإعادة توجيه العلاقات الأميركية مع تركيا واستثمار النفوذ الأميركي المتبقي لمنع تزايد الانقسام الحاصل وإعادة إدراج تركيا كحليف شرعي لـ«الناتو» ضد التهديدات الناجمة عن الجماعات «الجهادية» والتحالف الروسي الإيراني.
وجدير بالذكر أن الاحتكاك الحالي بين الولايات المتحدة وتركيا يمتد إلى ما هو أبعد من محاربة تنظيم داعش في الرقة، فضلاً عن الخلافات الكبيرة في الإستراتيجية لكل منهما، فأردوغان يسعى إلى إعادة تأكيد مكانة تركيا كقوة إقليمية في جميع أنحاء نفوذ الإمبراطورية العثمانية السابقة، إضافة إلى تشجيعه لانتشار الإسلاموية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الأمر الذي يقوده إلى تبني سياسة إقليمية مستقلة تتسم بالبعد عن الشراكة مع أميركا وأوروبا، وإن سعيه لتعزيز حكمه الاستبدادي يقوّض من الأهداف الإستراتيجية الأميركية، وإن عنوانه المتميز «العثمانية الجديدة» يقوده إلى دعم الجماعات السلفية الجهادية مثل «حركة أحرار الشام الإسلامية». ويشير التقرير إلى أن الدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية في حربها على داعش، يدفع أردوغان لصياغة سياسة خارجية تكون سطحية مع واشنطن وعميقة مع روسيا وإيران.
كما يشير التقرير إلى أن التركيز الأميركي على حملة محاربة داعش في الرقة، قد تجاهل، بل وساهم في تعميق الخلافات الإستراتيجية مع تركيا، فإدارة ترامب قد ضاعفت من مساعدتها لـ«وحدات حماية الشعب» من أجل الهجوم المرتقب على الرقة، رغم الاعتراضات التركية، وهذا الأمر من شأنه تحويل المكاسب على المدى القريب ضد داعش في الرقة إلى إخفاق للأهداف الأميركية على المدى البعيد، ولهذا يؤكد التقرير ضرورة قيام واشنطن بالتركيز على إعادة تنظيم إستراتيجية مع تركيا حول القضايا الرئيسية مثل تهديدات تنظيم القاعدة والتحالف الروسي الإيراني والحرب التركية الكردية المتزايدة.
ويجب على الولايات المتحدة وفق التقرير العمل على منع تركيا من الدخول إلى المدار الروسي الإيراني في سورية، والمساهمة في قيام تركيا بقطع علاقاتها مع الجماعات السلفية الجهادية، مثل «جيش الفتح» و«حركة أحرار الشام الإسلامية»، ويشير إلى أن تركيا قامت بتسهيل قيام تنظيم داعش بالسيطرة على طول حدودها الجنوبية مع سورية لردع قوات «وحدات حماية الشعب»، وإن علاقاتها مع مختلف المجموعات المسلحة المتنافسة قد ساهم في منع التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب الدائرة في سورية، وبالتالي استمرار الملاذ الآمن لتنظيم داعش والقاعدة والجماعات السلفية الجهادية الأخرى والتي باتت تشكل تهديداً للولايات المتحدة وأوروبا، ولهذا لا يمكن للإدارة الأميركية السماح لتركيا من جانب واحد بتشكيل الحكم في مدينة الرقة، وعليها إقناع أنقرة أن دعمها للجماعات المرتبطة بالقاعدة يشكل تهديداً لمصالحها ويتناقض مع رؤية أردوغان شبه الإمبريالية الخاصة بالشرق الأوسط، ويزيد من خطر الإرهاب المحلي في تركيا وفي الدول الأعضاء في حلف الناتو.
وبحسب التقرير، يجب على الولايات المتحدة الاستفادة من نقاط التعاون على المدى القصير ووضع شروط لتشكيل تقارب إستراتيجي طويل الأمد مع تركيا ضد روسيا وإيران والجماعات السلفية الجهادية، وإن اتفاق «مناطق تخفيف التصعيد» في سورية يعود بالفائدة على الحكومة السورية وعلى التحالف الروسي- الإيراني أكثر من تركيا، ولهذا يتعين على الولايات المتحدة وتركيا منع توسع الوجود العسكري الروسي والإيراني في سورية، ومنع القوات السورية من إعادة تجميع صفوفها للقيام بعمليات هجومية في وسط وجنوب سورية، الأمر الذي يضر بالرؤية التركية، فتركيا من غير المرجح أن تقوم بالتخلي عن مناطق سيطرة «المعارضة» في إطار الاتفاق الموقّع، ويمكن للولايات المتحدة تقديم الدعم لأنقرة في عمليات مكافحة الإرهاب الجارية في الداخل.
وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بعدة خيارات لممارسة الضغط على تركيا خارج سورية، من أجل جذبها نحوها، وفق التقرير الذي اعتبر أنه يجب على واشنطن البدء بمراجعة الدعم التركي للجماعات السلفية الجهادية من خلال معالجة المخاوف التركية المتعلقة بنفوذ «وحدات حماية الشعب» المتنامي في شمال سورية واتخاذ خطوات ملموسة للضغط على دمشق، وتهدئة المخاوف التركية المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، فضلاً عن توسيع المساعدات الاقتصادية لتركيا لتعزيز قدرتها على إعادة الإعمار في شمالي سورية، والعمل على توسيع التعاون العسكري والاستخباراتي الأميركي من خلال «الناتو» لتعزيز القوات المسلحة التركية الضعيفة التي أعيد تشكيلها والتي تواجه بصمة عسكرية روسية وإيرانية متزايدة، شريطة أن يقوم أردوغان بالحد من حملته الاستبدادية بعد الانقلاب الفاشل، وتقديم المساعدة له في مواجهة التهديد الذي تمثله الشبكات المرتبطة بالقاعدة في تركيا، وفي الوقت نفسه ممارسة الضغط على أنقرة بسبب سياساتها المنتهكة لحقوق الإنسان خلال الحملة التي يقودها أردوغان ضد المعارضة المحلية.
ويختم الباحثان التقرير، بالتأكيد على حاجة واشنطن لتبني نظرة إستراتيجية أوسع للتعاون مع تركيا، ومنعها من الانحراف بعيداً عنها، وعدم التركيز في المقام الأول على تحقيق مكاسب في الحرب على داعش في سورية، الأمر الذي سيعرّض مصالحها الإستراتيجية طويلة الأجل لخطر شديد، فضلاً عن ضرورة إعادة صياغة شروط المشاركة والتعاون مع أردوغان للحيلولة دون فقدانه كشريك مهم في «الناتو»، ولهذا يجب توظيف تركيا لأن تكون جزءاً فعالاً من إستراتيجية أميركية لتدمير الجماعات السلفية الجهادية والمساهمة في تراجع تأثير التحالف الروسي- الإيراني.