الرئيسية | قضايا وآراء | «جنيف6» يرسمه مخاض «البادية»

«جنيف6» يرسمه مخاض «البادية»

| سامر ضاحي 

ساهمت مصالح القوى العالمية وصراعاتها في تعقيد الأزمة السورية لكنها في المقابل كان لبعضها دور في حلحلتها، وليس كما يجاهر الآخرون، بأن سعيهم للحفاظ على سورية ووقف الموت فيها هو ما يدفعهم للانخراط الجدي في مساعي الحل، ولنا في الدور الروسي والإيراني خير مثال، إذ دفعت مصالح الدولتين المتصاعدتين عالمياً، إلى البحث عن اجتراع حلول للأزمة السورية أكثر من غيرهما، وكان الدور الروسي أكبر تأثيراً وصولاً إلى النجاح بإقناع أقوى الأقطاب الداعمة للطرف الآخر، وهو تركيا، وجذبها إلى مسار حوار مستمر في أستانا، فكان توقيع مذكرة إنشاء «مناطق تخفيف التصعيد» أبرز انفراجة تشهدها الأزمة السورية المندلعة منذ منتصف آذار 2011.
في المقلب الآخر، كانت المساعي الأممية في محادثات جنيف عبارة عن دوران في حلقة مفرغة، وهي التي تشهد اليوم ساحة مفتوحة للقوى الدولية للتعبير عن مصالحها عبر دعم هذا الوفد أو ذاك، خلال محادثات سورية سورية كما هو معلن، ولم تستطع تلك القوى حتى اللحظة نقلها إلى طاولة واحدة وحديث مباشر بين وفدين أو أكثر.
وعلى حين يبدو المشهد في جنيف جذاباً للمتابع السياسي، فإن المشهد الميداني في البادية السورية، التي لطالما كانت مغيبة عن مشروعات تنموية تليق بأهميتها التي تظهر اليوم، يبدو أكثر تعقيداً، فحتى اللحظة تنظيم داعش الإرهابي هو المسيطر على مساحات واسعة، تفصل المنطقة الممتدة من البوكمال إلى شرقي حمص ودمشق، وشرق وشمال السويداء، ومناطق مرتبطة بها في غرب العراق، في ظل وجود عدة قوى تحارب التنظيم بداية من الجيش العربي السوري القادم من المحافظات المذكورة، مروراً بتحالف القوى الكردية العربية في ريف الرقة، وصولاً إلى ميليشيات المعارضة المسلحة المدعومة أميركياً في معبر التنف الحدودي مع العراق، وذلك في سباق محموم للسيطرة على خط الطريق الدولي دمشق بغداد، والذي من شأنه أن يفتح لاحقاً في حال بسط الجيش السوري سيطرته عليه، طريقاً أطول يصل العاصمتان الأكثر تحالفاً في العقود الخمسة الماضية في الشرق الأوسط، وهما دمشق وطهران برعاية روسية.. إن بادية الشام لم تكن على لائحة أولويات دارسي الإستراتيجية في الشرق الأوسط، بقدر ما كانوا يولون الأهمية للمناطق الشمالية الحضرية مثل دير الزور والحسكة النفطيتين، ولم تكن كذلك على أولويات المتحاورين في جنيف قبل الجولة السادسة الحالية، لكن ومع بروز مناورات عسكرية أميركية أطلسية أردنية على الحدود الجنوبية لسورية، ورغم أن الأنباء عن تدخل أردني بري في سورية لا تعدو كونها تسويقاً إعلامياً للراغبين في نشرها، إلا أنها أضفت أهمية زائدة على تلك «البادية»، فنجاح الجيش السوري كما أسلفنا يعني أيضاً تمتين التحالف الرباعي «سورية، العراق، إيران، روسيا» ونجاح قوات المعارضة المسلحة أو تحالف «قسد» إن اتجه جنوباً، يعني مزيداً من النفوذ الأميركي.. لا شك في أن كل هذه الملاحظات معروفة للمنخرطين في جنيف، ولذلك نراهم اليوم أكثر جدية في محادثاتهم، ويدركون طبيعة حساسية الموقف، وإن كانت الترجيحات تصب في خانة سيطرة الجيش السوري ووصوله إلى الحدود مع العراق، حيث بدأ الأخير عملية مقابلة، ولا يمكن القول هنا إلا أن هناك تغاضياً أميركياً عن هذا الوضع، أو ما يشبه الصفقة مع الروس، فطيران موسكو سيحلق في مناطق كانت تعتبر سابقاً مجالاً جوياً لطائرات «التحالف الدولي»، ويدرك الأتراك أنهم قد يخرجون من الأزمة السورية كأكبر الخاسرين بعدما كلفتهم أثماناً سياسية ومادية، ولذلك يسعون جاهدين إلى عرقلة أي مشروع نحو «الفدرالية» في سورية، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة الحكومة السورية، وبذلك تكون واشنطن قد أوفت بوعودها لهم بالحد الأدنى، فلطالما كانت سورية ليست على سلم أولويات مصالحها أولاً، وهي في تحالفها الاقتصادي مع الخليج العربي، لم توجه أي طعنة للأخير ثانياً، لتحافظ بذلك على مصالحها مع كل الأطراف على أن يبقى تصعيد رئيسها دونالد ترامب مع إيران ضمن حدود السيطرة.. وهنا نستنتج أن النظام السياسي في سورية، لطالما عرف عنه إجادة اللعب على المتناقضات الإقليمية والدولية، وقد نجح أيضاً في كسب أزمة جديدة رغم كل الخسائر التي مني بها، على حين لا تزال سورية تفتقر إلى معارضة واقعية قادرة على اجتراع حلول سلمية مقبولة داخلياً وخارجياً ولا تعتدى الإقصاء.