جنيف من موقع آخر

| مازن بلال 

يسعى المبعوث الدولي الخاص لسورية، ستيفان دي ميستورا، إلى ضمان التوازن الدولي والإقليمي في محادثات جنيف، وغالبا ما تأتي مبادراته لتصحيح هذا التوازن من دون الأخذ بعين الاعتبار إمكانية التوافق السوري، وما حدث في الجولة الأخيرة من جنيف يعكس تفكير دي ميستورا بشكل واضح، فهو أسقط آلية عمل أستانا على طاولة المفاوضات في جنيف، وحاول استخدام ما حدث في العاصمة الكازاخية لإخراج مبادرته التي خلقت تناقضات داخل الوفود المشاركة في جنيف، وفي النهاية كانت الأيام الأربعة للتفاوض اختبارا لخلق نموذج يضمن بقاء المسار السياسي نقطة توازن فقط.
الجانب الأساسي في نظرة دي ميستورا هي القوة التي تجمع المتفاوضين، وهو يقوم بعملية فرز بين الجانب الحكومي والأطراف الأخرى؛ فلا يجد، عند المعارضة، سوى وفد الهيئة العليا للتفاوض كقوة لأنها تعبر عن توجه دولي وإقليمي، أما منصتا القاهرة وموسكو فهما على هامش المسار السياسي حتى اللحظة، وهو لم يضعهما في أولوية اعتباراته عندما قدم اقتراحه لتشكيل لجنة بشأن الدستور، واعتبر أن تمثيلهما يصب في الجانب الروسي ومن ثمّ فهما ممثلتان بشكل أو بآخر عبر فريق التفاوض الحكومي، والدبلوماسيين الروس الذين يحاولون تسهيل مهمة التفاوض.
وفق السياق نفسه، فإن دي ميستورا لم يقم بدعوة أي من مندوبي المعارضة في الداخل؛ وذلك بعد مشاركتهم بجولتين متتاليتين، فحساباته ذهبت نحو الحفاظ على المساحة المتساوية لكل من موسكو وواشنطن، على حين كانت معارضة الداخل خياراً روسياً وفق تصوراته، وبالتأكيد فإن هذه الحسابات تبدو مبررة بالنسبة للمبعوث الدولي، وهو موظف أممي يسعى لتأمين موقعه داخل مهمة معقدة، ولكن على مستوى حل الأزمة السورية، فإنه أدى إلى «سكون» الحل السياسي عند النقطة نفسها التي انطلق منها «جنيف1»، بما فيها المواضيع الخلافية، والتفسيرات المتناقضة التي انتقلت إلى بنود القرار 2254، على حين كان العمل العسكري أكثر حركية، وظهرت «الميليشيات المسلحة» في مواقع جديدة داخل المسار السياسي.
حالة الثبات داخل المسار السياسي لا يمكن كسرها ما دام المبعوث الدولي يسعى لإبقاء نقطة توازن «صلبة» داخل المحادثات، وهو في الوقت نفسه، غير قادر على تجاوز التوازن لعدة اعتبارات أهمها عدم الدخول في تصعيد عسكري، ولكن التوازن لا يمكن أن يصبح حالة مطلقة، وهو ما أثبتته تجربة أستانا التي كسرت بعض التوازنات التقليدية، وغيرت من توزع القوات في الشمال السوري، لكنها على الأقل ذهبت نحو رسم ملامح الأدوار الإقليمية القادمة.
إن الحالة التقنية في المسار السياسي ضرورية لكنها لن تتجاوز مرحلة الخبراء؛ فالصدام الأول سيكون في طبيعة توظيف الأطراف لها، وتوزعها أيضاً على التوازنات القائمة، فهي ستسهل فقط اللقاءات التي يأمل منها دي ميستورا إيجاد نموذج تفاوضي أكثر استمرارا، والجولة الأخيرة وضعت استحقاقا تقنيا يستدعي الكثير من التفكير في مستقبل العمل السياسي وفق السياق الحالي، وهي في النهاية تعكس تعثر «المعايير الدولية» في حل الأزمات وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بسيادة الدول، وبوضع الحلول وفق توازنات إقليمية هشة.