الاقتصاد الأميركي يتأرجح وهرولة إلى الخارج لبيع السلاح وجباية الأموال

| قحطان السيوفي 

بعد الثلث الأول من عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هناك مؤشرات، تفيد بفشل واضح له في تنفيذ بعض من أكثر تعهداته تطرفاً في السياسة الخارجية.
لم يُدمّر الاتفاق النووي الإيراني، ولم ينقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، وتحوّل من عداء مفتوح تجاه الاتحاد الأوروبي إلى دعم حذر، كما تراجع عن وصفه للحلف الأطلسي بأنه عفا عليه الزمن.
قرارات ترامب تطغى عليها صفة التراجع والتقلب وسياسته الداخلية لمصلحة الأغنياء والشركات الكبرى التي سيؤدي تخفيض الضرائب عليها إلى فقدان الخزينة العامة الأميركية عدة تريليونات من الدولارات.
يهرول ترامب إلى السعودية ليترأس مؤتمرات للدول التابعة، يُسوّق السلاح الأميركي، ويحصّل تكاليف ونفقات قواته العسكرية الحامية لهذه الدول، وهناك غموض يلف الاقتصاد الأميركي الذي يتأرجح منذ فوز ترامب بالانتخابات، فارتفعت ثقة بعض الشركات بشكل عام، لكن معظم البيانات والإحصاءات عن النشاط الاقتصادي الملموس لا تشير إلى نجاح ما؛ حيث سُجل انخفاض نشاط التصنيع في الشهر الماضي للمرة الأولى منذ سبعة أشهر، وتراجع الإنفاق على تجارة التجزئة، كما انخفضت الأسعار الاستهلاكية.
بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الأميركي)، تشير إلى أن الاقتصاد الأميركي يتحسن ببطء شديد في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، وبأقل مما كان عليه العام الماضي، وأقل بكثير من معدل النمو البالغ 4 بالمئة، الذي وعد ترامب بتحقيقه في الحملة الانتخابية.
وزير الخزانة الأميركي ستيف منوشين، اعترف لـ«فاينانشيال تايمز» مؤخراً، بتأجيل الإصلاح الضريبي «قليلاً»، بسبب مشاجرة في الكونغرس، والكثير من الأميركيين، وغيرهم تساورهم الشكوك في حرب ترامب التجارية المتمثلة في إلغاء اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك، وخطر استثارة الحروب التجارية مع الصين والمكسيك، ولدى كبار المزارعين أسباب تدعو للقلق لكونهم يعتمدون على الأرض والصادرات، وبدؤوا يعتبرون ترامب خطراً يتهدد حياتهم ناهيك عن خططه لإعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا» مع كندا والمكسيك.
حتى بعد مرور أربعة أشهر على إدارة ترامب؛ يلاحظ استمرار ترامب باستخدام اللغة الطنانة بخصوص التجارة، علماً بأنه بدأ فعلاً بالتراجع عن الكثير من تعهداته التي قدمها خلال حملته الانتخابية، مثلا لم يعد يصف الصين بأنها دولة تتلاعب بالعملة، وعن تهديداته بتمزيق اتفاقية نافتا؛ وذلك تحت الضغط الذي يمارسه أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس، والدراسة التي أمر ترامب بإجرائها الشهر الماضي لتقصي أسباب العجز التجاري الأميركي، تعرضت للانتقاد الشديد، على خلفية أنها قد تستثير حربا تجارية.
العجز التجاري الأميركي مع المكسيك يبلغ 60 مليار دولار، وتسعى المكسيك إلى وقف الاستيراد من الولايات المتحدة، والعجز مع بكين 347 مليار دولار؛ ولا تزال الصين تطبق الحظر منذ عام 2003 على استيراد لحم البقر الأميركي بسبب مرض جنون البقر، رغم القمة الأخيرة بين ترامب والرئيس الصيني.
بالمقابل خطة ترامب الضريبية تواجه عثرات في الكونغرس؛ ويقول النقاد إن المقترحات الضريبية للرئيس تقدم فوائد سخية لأغنى الناس في المجتمع، وربما لأسرة الرئيس نفسه، لكونها تتيح تحويل تريليونات الدولارات إلى الطبقة العليا من المجتمع الأميركي على مدى سنوات، وقد وصف أحد أبرز الديمقراطيين في لجنة الشؤون المالية لمجلس الشيوخ رون وايدن، خطة ترامب الضريبية بأنها «غير منضبطة وستسبب ديوناً معوقة لأميركا، وأكثر من نصف المبلغ من قيمة التخفيضات البالغة تريليوني دولار على معدل الضريبة على الشركات إلى 15 بالمئة، سوف تتدفق إلى أغنى 1 بالمئة من الأسر الغنية».
من جهة أخرى؛ قالت المحامية باتريشيا مارتون، عضو «مجموعة أصحاب الملايين الوطنيين» الذين يعارضون الإعفاءات الضريبية للأغنياء: «إن المستفيدين الرئيسيين من فاتورة الضرائب المقترحة هم الأغنياء مثل الرئيس ترامب وعائلته».
إن خطة ترامب للإصلاحات الضريبية، جاءت في وثيقة مؤلفة من صفحة واحدة عامة، وسطحية ومثل هذه الخطة تعتبر مثيرة للضحك وتسيء لسمعة الولايات المتحدة، كما وصفتها «الفاينانشال تايمز»، وتتوقع مراكز الدراسات والبحث، أن تزيد الخطة من العجز بحوالي 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لصندوق النقد الدولي؛ ويبلغ العجز الهيكلي الحكومي العام للولايات المتحدة 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يرتفع ليصل إلى أقل من 6 بالمئة بقليل، وسيُحدث ذلك ارتفاعاً هائلاً في الدين الحكومي الأميركي البالغ أكثر من 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، دون أن ننسى أن الارتفاع في النمو الاقتصادي الأميركي، حالياً، يبدو أمراً مستبعداً جداً، لأسباب شرحها الرئيس الأسبق لمجلس المستشارين الاقتصاديين جيسون فيرمان.
بالمقابل، تتفاقم تداعيات قضية طرد مدير مكتب التحقيقات الفدرالي «إف بي آي» جيمس كومي والتي جعلت كثيراً من الناس في الولايات المتحدة يعودون بذاكرتهم إلى مشهد من عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، حين قرر في عام 1973 طرد ممثل الادعاء الخاص أرتشيبالد كوكس، وما لحق ذلك من فضيحة «ووتر غيت» وعزل نيكسون عن الرئاسة.
السياسة الشعبوية الداخلية التي يطبقها ترامب، وتخدم بشكل رئيسي مصالح الفئات الغنية من رجال الأعمال والشركات الأميركية على حساب الأغلبية الأوسع من المجتمع، ستُخفض ايرادات الخزينة العامة الأميركية الفدرالية وفي الولايات، ما جعل ترامب يهرول إلى الخارج باتجاه الدول النفطية وغيرها التابعة التي تحظى بحماية عسكرية من القوات الأميركية، للعمل على ابتزاز وتأجيج مخاوف هذه الدول من شبح التهديد الإيراني المزعوم، بهدف بيع المزيد من السلاح الأميركي، وجباية المزيد من تكاليف وأعباء الحماية العسكرية لأنظمة هذه الدول.
وترامب الذي تناسى وعوده الانتخابية، ربما يعتقد أن الهروب إلى الأمام باتجاه الخارج، قد يفيده من ناحية تخفيف الضغط عليه في السياسية الداخليه، لكن المشهد العام الداخلي والخارجي للولايات المتحدة الأميركية، يشير إلى أن سياسة ترامب الضبابية تؤجج عدم رضا القاعدة الشعبية في الداخل وتؤكد عدم مصداقية سياسته الخارجية المتقلبة، بما في ذلك عدم الصدق والادعاء بمحاربة الإرهاب.
سيؤكد المستقبل غير البعيد، أن المؤتمرات التي يرعاها ويترأسها ترامب في السعودية، لن تكون أكثر من مشاهد استعراضية ابتزازية لمصلحة الخزانة العامة الأميركية ولمصلحة إسرائيل، وتذكرنا بخطاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في جامعة القاهرة، وستكون نتائج هذه المؤتمرات الإقليمية، متواضعة وأهمها طمأنة الدول الخليجية من شبح أخطار واهمة!