أيتام ترامب في قمة «الحرملك»: «التضامن العربي» يتجلى بأبهى حلله!!

| فراس عزيز ديب 

إذاً؛ أُعفيت ميلانيا ترامب من ارتداءِ الحجاب عند وصولها مرافقةً لزوجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحجازِ المحتل، وربما سيكون هذا القرار من القراراتِ النادرة التي تتخذها سلطات آل سعود ونعلن تأييدنا المطلق له، فالمرأة لا تتحجب أمام مثيلاتها، بل لو ذهبنا بعيداً لوجدنا أن أنصافَ الرجال عليهم أن يتنقبوا لا أن يتحجبوا فقط أمام ميلانيا، أليسَ «سُفورَ» المرأة أمام «الكافراتِ» حرام!
دعوها تحضر كل الجلسات، بل عليها أن تنوبَ عن «الزعماءِ» الذين سيؤمهم ترامب في «صلاةٍ» على نيةِ استسقاءِ إجرامهم بالمزيد من الدماء، لا ترسلوها إلى «الحرمْلك»، فكلَّ بقعةٍ يكون فيها آل سعود أولي الأمر، هي «الحرملك»، ألم تقل بنتَ بزرجمهر يوم اقتادوه مغلولاً: «ما كانت الحسناء ترفع سترهــــا لو أن في هذي الجمــوع رجــالاً».
لقد علمتنا بكلماتها أن الرجولةَ موقف وليست «جِنساً»، والإنسانية والضمير مجتمعان هذهِ الأيام في غلالٍ واحدة، يحرسهما تجارُ الدم، ويسهر على تعذيبهما من يدَّعون أنهم «خدام الحرمين الشريفين»، و«المفتي الأكبر» لهذا العرض «الإنساني» هو «الشيطان الأكبر».
عندما تمر أحداث الأسبوع بطريقةٍ بسيطةٍ وغيرَ متشابكةٍ، ينتابك شعور بأن تتخلى عن لغةِ «التحليل السياسي»، تحديداً عندما يمعن عدوك في وضع كل الأمور فوق الطاولة، تشعر بأن لديك رغبة لتقول «شكراً ترامب»، ليس فقط لأنك تمارس كل البلطجة علناً، وكسر ما اعتاد عليهِ من سبقوك بممارستها من تحت الطاولة، بل لأنك في كل مرة تعرِّي فيها الدرك الأسفل الذي وصلنا إليه لتجعلنا نتساءل: متى نتعلم؟
يوم الخميس الماضي، نشرت «الوطن» مقالاً لمعاون وزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد بعنوان «العبرة السورية.. فرنسا الجديدة»، بواقعيةٍ مطلقة، أتفق مع كل ما جاء في المقال تحديداً من حيثُ دعوةِ السياسيين في العالم للاتعاظِ من «اللعنة السورية»، وإن كنت مدركاً تماماً أن كلمات المقداد الراقية يليق بها عبارة «على من تقرأ مزاميرك يا داوود»، لكن في المقابل، أليس هناكَ من دروسٍ تفيدنا نحنُ كسوريين في الحدث الفرنسي؟
اتفقنا أم اختلفنا مع الأحزاب الفرنسية وتوجهاتها، مع المرشحين السابقين وتوجهاتهم؛ لكن عندما شعر هؤلاء جميعاً بالخطر المحدق المتمثل بارتفاع أسهم «اليمين المتطرف» اتحدوا جميعاً ضده، بل هناك من يستعد لتركِ أحزاب عمرها عقودٍ والانضمام لحزب الرئيس الفرنسي الجديد، هي ليست واقعية سياسية فحسب، لكنها في الوقت ذاته النظر للأمور بمنظار المتغيرات التي تضرب العالم، على حين لو عدنا إلى الواقع السوري لرأينا أنه ورغم كل ما يجري لا يزال هناك من يحدثنا في مقالاته أو تصريحاته السياسية عن «التضامن العربي»، أو «الأمن القومي العربي»، فهل حقاً أننا مازلنا غير قادرين على استخلاص خطابٍ يُحاكي المتغيرات من حولنا، وهذا لا يعني أن باقي الخطابات القومية، تحديداً تلك التي تمجد السوري بأسلوب شوفيني هي أفضل حالاً، لماذا هناك من لا يريد أن يصدق أن مصطلح «الأمن القومي العربي» مات إلى الأبد لحظة دخول الرئيس العراقي الساق صدام حسين الكويت، الأهم ماذا سيقول لنا من يرفعون شعاراتٍ عفا عنها الزمن عندما يجدون «التضامن العربي» بأبهى حلله عندما يعلن ترامب رسمياً ولادة «ناتو مذهبي» سيكون الذراع الطولى لحماية «إسرائيل» وتفتيت المنطقة؟ ربما سيكررون لنا عبارة الفرق بين الشعوب والحكام، عندها نذكرهم أن أعلى نسبةِ تأييدٍ لـداعش على التويتر هي في الخليج، نذكرهم أيضاً كيف وصل الإخوان الشياطين للحكم في مصر والأمثلة كثيرة، أساسها أن النظر لما يجري بخطابٍ «معتَّق» لم يعد ينفع، وتسارع الأحداث يسبقنا فما الجديد؟
بعيداً عن أهداف «الناتو المذهبي» التي لن تخرج عن أهداف باتت واضحة للقاصي والداني من تصفية القضية الفلسطينية، وتفتيت الدول لتصبح حكماً دونية، كمشيخات النفط، مجردة من أي انتماء، واستمرار تسعير الخطاب المذهبي أياً كانت العواقب، فإن المتتبع للسلوك الأميركي حيال ما يجري في سورية يراهُ يتصاعد نحو الأسوأ، لدرجةٍ بات فيه من غير المهم دفع الآخرين نحو تحقيق ما يريده الأميركي، بل بات هو الموكل رسمياً بهذه المهمة.
لن نعود بالذاكرة كثيراً عندما كانوا يتمنعون علناً عن إرسال أسلحة أميركية لما يسمونها «المعارضة السورية» ويرسلونها سراً، لكن سنعود بالذاكرةِ لمحورٍ أهم وهو المواجهة المباشرة بين القوات الأميركية والجيش العربي السوري، فمنذ الهجوم على منطقة عسكرية للجيش السوري في «جبل الثردة» في دير الزور، برر الأميركيون ذلك يومها بأنه خطأ، بل هناك من تحدث عن اعتذارٍ وصل للقيادة السورية عبر الروسي، وفي الحالة الثانية فإن الهجوم على «مطار الشعيرات» تبعهُ تسويغ أميركي بأن الحدث محدودَ الزمان والمكان لمعاقبة ما يسمونه «النظام السوري» على كذبة التورط بهجوم خان شيخون الكيماوي، أخيراً جاء الهجوم الأميركي على قافلةٍ عسكريةٍ سورية في طريقها لمعبر «التنف» ليضع النقاط على الحروف، وبرسالةٍ واضحة: العدوان مقصود ولن نسمح للقوات السورية بالوصول للحدود أو السيطرة على المعبر.
هذه الأحداث الثلاثة التي تختصر ما يريده الأميركي، كان القاسم المشترك بينها أن داعش هو المستفيد الوحيد منها، فهم سيطروا على «جبل الثردة» الإستراتيجي بعد قصف الطائرات الأميركية له، كذلك الأمر فإن «الشعيرات» كانت قاعدة إمداد لمعركة الجيش العربي السوري الهادفة لتحرير تدمر، وختاماً فإن ماجرى على طريق «التنف» لم يتزامن بهجوم داعش على طريق أثريا حلب فحسب، بل تزامن مع المجزرة التي ارتكبتها داعش في بلدة عقارب بريف حماه الشرقي، وهي مجزرةٌ جعلتنا نسأل المجتمعين في المسلسل الأممي الطويل «جنيف»، أين أنتم منها؟ المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا مثلاً الذي كان يذكرنا دائماً بألمهِ حيال ما جرى في خان شيخون، بدا لنا ملتهياً بالطريقة التي سيراوغ فيها الوفد الرسمي السوري ليحصل منه على تنازلٍ حيال موضوع الدستور، ولا نعلم ربما نسي «انسانيته» في مبنى الأمم المتحدة، أو ربما فإن هاتفه المفصول خلال الاجتماعات منعت رسالة ما من الوصول إليه لإعطائه الأوامر بالحديث أو لا عن المجزرة، لكن بكل الحالات يبدو أن دي ميستورا لم يدخل فقط مرحلة «الزهايمر السياسي» لكنه كما الأميركي دخل مرحلة «اللعب عالمكشوف، فماذا ينتظرنا»؟
هذا التمادي الأميركي في التعاطي مع ما يريده في سورية، سيتصاعد ولن يتوقف سياسياً بما يتعلق بـ«جنيف»، وعسكرياً بما يتعلق بالإنجازات على الأرض، والأمر لن يقتصر فقط على دعم داعش لرسم مساراتٍ وحدودٍ يريدها على الأرض سواء في «التنف» أو الشمال السوري، ولا نعلم لماذا يصر الروسي أن الهدف الأميركي من الهجوم هو دعم جبهة النصرة ويتجاهل الداعم الحقيقي لها وهو نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، بل سيتصاعد لفرض بلطجته في مناطق ثانية تكون بمنزلة غدد سرطانية في الوطن لمنع أي إمكانية لإعادة بث الروح فيه واحداً غير مجزأ، والحل لا يكون أبداً بانتظار بيانات الإدانة أو تذكيرنا من قبل بعض الحلفاء بأن ما جرى مخالف للقانون الدولي.
نحن نعلم أنه مخالف للقانون الدولي لكن ما ردة فعلكم فيما لوقررت سورية السير في المواجهة دفاعاً عن القانون الدولي؟! الأميركي لن يتراجع بهذه السهولة وانتظار الدفع به نحو المواجهة بهذا الأسلوب المتأني أمر ليس مجد، فهو يقاتل بمرتزقة ويقصف بمرتزقة، والوصول للمناطق التي لا يريدنا الأميركي الوصول إليها، لا يجب بعد اليوم أن يكون حدثاً مؤجلاً؛ فإما أن يقتنع الأميركي بأن الحرب عبر المرتزقة ليست في كل الأوقات ناجحة، أو أن يتطوع هو بالقيام بالمهمة، عندها فإما حياة تسر الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدا، إلا إن كنا فعلياً بانتظار عودة «التضامن العربي» أو السعي للحفاظ على «الأمن القومي العربي»، عندها نحيلكم فقط لصور قمة ترامب مع «أيتامه» في حرملك آل سعود وقولوا لنا وقتها: متى نتعلم؟