«الناتو العربي» حجة واهية وزوبعة في فنجان

| تحسين الحلبي 

يبدو أن أهم ما تهتم به المصالح الأميركية من مشروع تأسيس تحالف عسكري من عدد من الدول العربية في الخليج بشكل أساسي أي «ناتو عربي» بما يشبه حلف الأطلسي، هو صفقة السلاح الأميركية التي يجري الترويج لها الآن بين واشنطن والرياض بقيمة 380 مليار دولار، بعد أن كانت تبلغ 100 مليار قبل أسبوع!
هذه الصفقة الأميركية، غير المسبوقة في قيمتها المالية في تاريخ تصدير السلاح لدولة عربية نفطية لا يزيد عدد سكانها على 22 مليوناً ولا يزيد عدد أفراد جيشها النظامي على 600 ألف في أحسن الحالات، تشبه صفقة أميركية باعت فيها واشنطن لإمارة قطر أسلحة بقيمة 13 مليار دولار، مع أن أكبر عدد يمكن للقطريين حشده كجيش نظامي لن يتعدى 30 ألفاً، لأن عدد سكان قطر لا يزيد على 600 ألف، 50 بالمئة منهم من الذكور تقريباً، وإذا أضيف لهذه الصفقة قيمة صفقات سابقة، تكون قطر قد اشترت أسلحة بقيمة 25 مليار دولار، لجيش لا نعرف أين تقع جبهة حربه، علماً أن أراضي الجزيرة ينتشر فيها أكثر من 20 ألفاً من الجنود الأميركيين في قاعدة القيادة المركزية في قطر!
يعرف الجميع في المنطقة والعالم، أن إسرائيل كانت دوماً تتنافس مع واشنطن حول نوعية الأسلحة الأميركية التي يراد تصديرها لدولة متحالفة مع الولايات المتحدة مثل السعودية بشكل خاص، وتعترض على تصدير بعض الأنواع، وتقبل واشنطن اعتراضها، ففي عام 1981 احتج رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها مناحيم بيغين على بيع طائرات «إف 15» الحديثة في ذلك الوقت، بحجة أنها ستشكل خطراً على أمن إسرائيل، ثم جرى الاتفاق مع إسرائيل بعدم تزويد الطائرات المصدرة للسعودية بكافة القدرات العسكرية المتقدمة، ولا شك أن صفقة السلاح الأميركية الجديدة بقيمة 380 مليار دولار سيجري عرض ما تتضمنه من أسلحة على إسرائيل قبل الموافقة على إرسالها.
إن إسرائيل تفرض شروطاً للسلام أو التطبيع بينها وبين أي دولة عربية هي: معرفة نوعية الأسلحة التي تستوردها هذه الدولة، وهذا ما فرضته في اتفاقية كامب ديفيد بحجة منع تعريض ميزان القوى بين إسرائيل وبين الدول العربية لخطر على إسرائيل التي تريد أن تبقى القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة، أما مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتأسيس «ناتو عربي» تقوده واشنطن على غرار «الناتو الأوروبي»، فلن يحمل جديداً في دور التحالف العسكري الذي أنشأته السعودية ضد اليمن، ولم يستطع تحقيق أهدافه، ثم ماذا سيختلف هذا التحالف ضد اليمن عن تحالف على غرار «ناتو»!
يرى «بو كانان» وهو أحد الذين ترشحوا للرئاسة الأميركية، أن «ناتو عربياً» سيكرس وجوداً دائماً للقوات الأميركية، ولن تعمل واشنطن على إنهاء وجوده كحلف، حتى لو زالت الحجة التي من أجلها أسسته إدارة ترامب، وهناك من يرى بشكل موضوعي أن حلفاً عربياً كهذا تقوده السعودية بإشراف أميركي سيعطي لأي إدارة أميركية القدرة على توظيفه ضد دول أعضاء فيه بطرق كثيرة، لأنه سيضم دولاً وإمارات صغيرة، ما يزال النزاع على الحدود بين بعضها وبين السعودية قائماً، كما أن حلفاً كهذا سيجري تسخيره سياسياً لمصلحة إسرائيل التي لا يمكن أن توافق على وجوده كمشروع أميركي، إلا حين يعمل لمصلحتها التوسعية في تفتيت الدول والكيانات في الشرق الأوسط.
هناك من يتساءل عن الدور التركي في هذا الحلف، فتركيا ما تزال عضواً في الحلف الأطلسي، ولديها وحدات عسكرية دائمة في إمارة قطر، وهي لن تكون عضواً فيه إذا كانت عضويته مقتصرة على الدول العربية فقط، لذلك يعتقد محللون أميركيون أنه إذا بدأ «ناتو عربي» فسوف ينتقل ليصبح «ناتو إقليمي» وعند ذلك تصبح إسرائيل عضواً فيه وكذلك تركيا إذا رغبت.
كما أن هذا «الناتو العربي» أو السعودي بشكل أوضح، لا يمكن أن يضم سوى عدد قليل من الدول التي تحتاج لأموال السعودية، وعلى استعداد لبيع قرارها السياسي للسعودية مقابل المال.
أما القول إنه سينشأ لمحاربة الإرهاب، فهذه حجة واهية، لأن واشنطن وتل أبيب تريدان توظيفه ضد كل من يعارض سياسة الهيمنة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة وفي العالم، وهذا ما سوف يجعل روسيا والصين ودولاً كثيرة، تقف إلى جانب دول المنطقة التي ستتصدى له وتحوله إلى زوبعة في فنجان.