حرب باردة في مياهنا الإقليمية

| سامر ضاحي 

يوماً بعد آخر تتبلور ملامح حرب باردة روسية أميركية، تدور رحاها نظرياً في كل ما يتعلق في سورية، ولا تقتصر فقط على الحدود الإقليمية بل تتجاوزها وصولاً إلى منصات التفاوض في أستانا وجنيف، ويبدو أن الروس ومعهم دمشق باتوا مدركين لإمكانية انتقال مفاجئ لهذا البرود في أي لحظة، إلى سخونة قد لا تستطيع المجاملات الناعمة الصادرة من موسكو وواشنطن استيعابها، ولا سيما أن إسرائيل دخلت بقوة على خط الأزمة وأعلن حلفاؤها من ميليشيات الجنوب صراحة، عن نية تل أبيب القيام باجتياح جديد للأراضي السورية لتحقيق مطمع في منطقة حوض اليرموك، لأهداف غير معلنة أقلها، على ما يبدو، زيادة أوراقها التفاوضية مستقبلاً مع دمشق بعد استعادة البلاد عافيتها بحيث تفاوض على حوض اليرموك بدلاً من التفاوض على هضبة الجولان التي تحتلها، وكل ذلك رهن تطورات قد تتغير في أي لحظة.
زيادة الحديث عن الأطماع الإسرائيلية، جاء مع تكثيف الطائرات الأميركية لتحليقها قرب السواحل السورية، بعد أن وصلت حاملة الطائرات الأميركية «جورح بوش»، أكبر القطع البحرية الحربية في العالم، إلى قبالة ميناء حيفا، ومنذ بداية الأسبوع الجاري نفذت طائرات أميركية ما لا يقل عن 15 عملية استطلاع بالقرب من الحدود البحرية السورية، لكن في المقابل لوحظ زيادة نشاط «الدوريات المشتركة» التي تقوم بها المروحيات الروسية والسورية في المياه الإقليمية وقرابة الشواطئ وحتى فوق اليابسة على طول الخط الممتد من اللاذقية إلى الحدود اللبنانية، كما بدأت طائرات السوخوي الروسية مؤخراً الانضمام لعمليات الرصد وباتت تحلق على علو منخفض وتقوم بشكل شبه يومي بعمليات مناورة انطلاقاً من قاعدة «حميمم» في جبلة فوق الشواطئ السورية، بعدما كان ينحصر الأمر منذ إعلان مشاركة القوات الفضائية الروسية في العمليات لضرب الإرهاب في سورية أواخر أيلول عام 2015، على تحليق يومي لمروحيتين روسيتين فوق الشواطئ.
ومع تكثيف التحليقات الأميركية والروسية في ظل تجميد روسيا العمل بمذكرة أمن التحليقات مع واشنطن فوق سورية، تبدو احتمالات إسقاط السوريين أي طائرة استطلاع أميركية مرجحة بقوة في ظل التوتر الذي تشهده علاقة واشنطن بموسكو، وقد يكون ذلك بدفع ودعم روسي لفعل كهذا، كرد اعتبار لدمشق على تكرار عدوان «التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن، على الجيش وسلاح الجو السوري، الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار تقديم الدعم للميليشيات المعارضة أو حماية تنظيم داعش الإرهابي.
المواجهات المحتملة قابلة للانفجار في أي لحظة، وإن كانت بنسبة مئوية أقل من احتمالات الاستمرار بالوضع الراهن على ما هو عليه، في ضوء ما يظهره المجتمع الدولي من دعم للاستقرار المتحصل في سورية بعد مذكرة «مناطق تخفيف التصعيد» الموقعة من الدول الضامنة لمسار «أستانا» خلال الجولة الرابعة من المحادثات.
وعلى أبواب انعقاد الجولة الخامسة اليوم، يبدو المشهد في الجبهة الجنوبية ضبابياً ومعقداً في آن واحد، فالجيش ورغم الحشود التي وجهها إلى درعا، لم يحقق التقدم المتناسب مع حجم تلك الحشود من جهة، وكذلك وصول حاملة الطائرات «جورح بوش» إلى قبالة شواطئ حيفا وعلى متنها نحو 5000 جندي أميركي، بموازاة الحديث عن تحديد «مناطق تخفيف التصعيد» خلال «أستانا 5» على وقع التهديد الإسرائيلي باجتياح حوض اليرموك.
في ذلك كله، يبقى الموقف الأميركي هو المحدد الأساس للتطورات الميدانية، فأي تهور أميركي بدعم إسرائيل في اجتياح جديد للأراضي السورية، يهدد بحرب إقليمية ويمكن أن يتطور إلى حرب دولية، ولا سيما في ظل العداء المتصاعد بين واشنطن ومن خلفها تل أبيب من جهة، وبين طهران التي تدعم دمشق بقوات في الميدان من جهة أخرى، واقتراب وصول تلك القوات من الحدود الأردنية أو حتى من الجولان الأمر الذي يعتبره الاحتلال الإسرائيلي خطاً أحمر لا يمكن السكوت عنه.
في المقابل، ربما أدركت واشنطن تبعات التكاليف المضاعفة للتهور الإسرائيلي ولذلك أرسلت قواتها إلى هناك بهدف ضبط فائض القوة الذي يشعر فيه كيان الاحتلال على حساب الحالة السورية اليوم، فعملت على تفاهم مع الروس، لم تتضح تفاصيله بعد، أفضى إلى إعلان الجيش السوري أمس وقف عملياته في درعا للمرة الثانية خلال أقل من شهر، «لإتاحة المجال أمام جهود المصالحة»، مقابل، على ما يبدو، مشاركة فصائل الجبهة الجنوبية في «أستانا 5» التي كانت اشترطت وقف عمليات الجيش للمشاركة، حيث يتوقع أن يتم في عاصمة كازاخستان، اليوم أو غداً، إعلان الخرائط النهائية لـ«مناطق تخفيف التصعيد» مع احتمال الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن تبادل المخطوفين والمعتقلين.
وفي حال نجاح اتفاق الهدنة الأخير بالوصول إلى مصالحة كبرى في درعا أو ضم المدينة كاملة إلى «مناطق تخفيف التصعيد» فمن الممكن أن نرى وصولاً للجيش السوري إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن بموجب الحالتين، من دون أن يرافقه حليفاه الإيراني وحزب اللـه في ذلك الوصول تلبية للتفاهم الأميركي الروسي، كما يمكن أن يساهم ذلك بكبح المطامع الإسرائيلية في حوض اليرموك ولجم تحركاتها باتجاهه، ولعل ذلك يكون مقدمة لتخفيف حرارة الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، بانتظار اتفاقات مماثلة شمالاً في دير الزور ومدينة البوكمال، وبانتظار ما قد يفضي عنه لقاء رئيسي البلدين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في هامبورغ في 7 أو 8 الشهر الجاري على هامش مشاركتهما في قمة مجموعة العشرين.