الجبنة بالمجان لا توجد إلا في المصيدة

| عبد المنعم علي عيسى

في خلال شهر واحد قامت الطائرات الأميركية باستهداف مواقع الجيش السوري لأربع مرات، بدأت بقصف قافلة له في شمال التنف في الثامن عشر من أيار الماضي ومن ثم أعادت الكرة في 6 و8 حزيران ليصل التصعيد إلى مداه الأقصى، حتى الآن، في أعقاب حادثة إسقاط طائرة السوخوي السورية في الثاني والعشرين منه أيضاً فوق منطقة الرصافة في ريف الرقة الغربي، كان ذلك كله مقدمة أو مناخات تتحضر أو تستكمل شروطها لعمل عسكري رسمت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هيلي أطره التي يمكن أن يأتي فيها حين قالت في 26 حزيران إن بلادها رصدت تحركات للجيش السوري في مطار الشعيرات ما ينذر بتكرار سيناريو خان شيخون في الرابع من نيسان الماضي.
من المؤكد أن الجميع الحاضر في الشرق السوري هو الآن في طور وضع اللمسات الأخيرة التي تسبق اندلاع المعركة الكبرى، ولطالما أشارت العديد من التقارير أن القوات الروسية كانت قد عملت في خلال الأيام العشرة الماضية على تلافي ثغراتها واستكمال تسليحها بما يوحي بأن موسكو هي على يقين بأن معركة الشرق السوري باتت على الأبواب، وهو ما أراد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إيصاله في 28 حزيران عندما رد على هيلي بالقول: «سنرد على أي تدخل استباقي أميركي في سورية»، وفي هذا السياق أيضاً كانت عمليات القصف الصاروخي الذي نفذته طهران ضد مراكز قيادية ومراكز اتصال لداعش في دير الزور في 20 حزيران انطلاقاً من محافظتي كردستان وكرمنشاه، وصحيح أن الجيش الإيراني كان قد أعلن عن أن العملية جاءت ردا على استهداف داعش للبرلمان الإيراني ومرقد الإمام الخميني في 7 حزيران إلا أن التوقيت المختار بدقة و«المدى» الذي تصله الصواريخ (700 كم) يقولان أشياء أخرى حتى ليبدو أن القول المعلن هو الأقل أهمية من بين هذه الأشياء.
جرس الإنذار لم يقرع بعد، إلا أنه لن يطول انتظاره كما يبدو، فمن المؤكد أن الشرق السوري سيشهد قريبا معركة مدمرة وطاحنة، ولسوف تكون نقطة البدء فيها هي الإعلان عن خروج مدينة الرقة عن سيطرة داعش تماماً، وكان إعلان المرصد السوري لحقوق الإنسان في 28 حزيران عن خلو حلب وريفها من أي وجود لداعش يعني أن التنظيم يقرأ هذا الأمر جيداً واتخذ قراراً بإخلاء الساحة أمام المتحاربين، وعندها ستنطلق معركة شاملة يختلط فيها المحلي بالإقليمي والدولي، وتفوح منها روائح المذهبية والإثنية والدينية، فواشنطن التي أشرفت على تحضير كل شيء تريد معركة حاسمة يكون عنوانها تفجير الجغرافيا في الشرق السوري لإنتاج مشهد جغرافي ما انفك العمل جاريا عليه منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عاماً، وهو ما يمكن للمتابع أن يرصده وقد يكون الأمر أبعد من ذلك بكثير، فالبداية كانت عبر حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 التي كان مقدرا لها أن تدفع الأمور في اتجاهات أخرى مغايرة للتي ذهبت فيها، وعندما تأكد للعاملين ذلك، تم ترتيب سيناريو آخر على عجل في صيف عام 2006 وخريفه ويقوم على إثارة نزاعات عشائرية ومذهبية على الحدود السورية الأردنية تكون مدخلا لتدخل عسكري خارجي، إلا أن تراجع عمان في اللحظات الأخيرة دفع بالملف الأخير هذا كله إلى السفلي من الأدراج المهملة، لتأخذ المسارات فيما بعد طابعاً آخر، فتقرر هذه المرة استخدام القوة الناعمة وأسلوب المغريات لتلعب قطر ما بين عامي 2007 – 2010 دور رأس حربة في مشروع غربي أميركي يهدف إلى إقناع دمشق بفك تحالفها مع طهران، وما جرى هو أن المحاولة القطرية ألحقت بأختيها ولربما بات من الجائز أن نقول اليوم إن الأطراف المشاركة في هذا المشروع الأخير كانت قد وصلت إلى درجة اليقين بذلك اللحاق صيف عام 2010، وعلى الفور بدئ العمل على إعداد سيناريو مسلح يلعب فيه «الجلبيون» أو «النحلاويون» السوريون دور رأس الحربة هذه المرة.
اليوم يوجد بين أيدينا العديد من الوثائق التي تؤكد أن الأحداث السورية التي انطلقت مع احتجاجات آذار 2011 كان قد أعد لها منذ صيف عام 2010 على الأقل، يقول القيادي في جبهة النصرة أبو عبد اللـه الشامي في بيان نشره أواخر عام 2015 ردا على قرار عزله إنه التقى بأبي محمد الجولاني في 23 رمضان 2011 (توافق 17 آب 2011) وفي ذلك اللقاء، يضيف الشامي، نصح الأخير الجولاني بالابتعاد عن أبي بكر البغدادي وأخذ البيعة لنفسه، وما يمكن استخلاصه من هذا القول هو على درجة عالية من الأهمية فمن المعروف أن التنظيمات الجهادية لا تذهب نحو أخذ البيعة إلا بعد إتمام عمليات بناء البنى التحتية لها وهذه المرحلة تستغرق عادة ما بين 8 إلى 12 شهراً وبمعنى آخر فإن من المؤكد أن ما جرى ربيع عام 2011 كان قد أعد له صيف عام 2010 على الأقل.
ما بعد تصريح هيلي بالغ الخطورة في مجلس الأمن، بات من الجائز القول إن قرار الحرب «الشرق سورية» بات يمثل خيارا استراتيجياً لواشنطن لا رجعة فيه، بل إن المشاركة الأميركية المستترة بعباءة «قوات سورية الديمقراطية» التي قال المتحدث باسمها طلال سلو 26 حزيران إن هناك ألفاً من الكوماندوز الأميركيين يقاتلون إلى جانب قواته، تلك المشاركة من المرجح لها أن تزداد وتتصاعد أو أنها قد تخرج من الطوق الموضوعة فيه فواشنطن تدرك جيداً أن «الجبنة بالمجان لا توجد إلا في المصيدة» كما يقول المثل الروسي.
في نصف اللوحة الآخر، يبدو أن المحور السوري الروسي الإيراني يعد العدة لحرب شاملة لا مجال لخسارتها حتى ولو اضطر الأمر إلى إشراك قوى بعيدة عن ميادين القتال، حتى إنها لا تندرج في حسابات المعركة من الخصوم، وإذا ما أردنا استعراض مطالب الأطراف المشاركة في الصراع فمن الممكن اختصارها عبر المطالب الأميركية والمواقف منها، فواشنطن على الأرجح تسعى نحو أمرين اثنين الأول: قطع اتصال الهضبة الإيرانية بسواحل البحر المتوسط ما يجعل منها جغرافيا مترامية الأطراف لكنها غير فاعلة في حسابات وموازين القوى في المنطقة، وهذا المسعى يحظى بدعم إسرائيلي خليجي كبير، والثاني: استحصال قاعدة عسكرية أميركية دائمة يكون الشرق السوري حاضنا لها ولربما تكون في مدينة الطبقة (50 كم غرب الرقة) على الأرجح وتكون أيضاً بديلا لقاعدة أنجرليك التركية بعدما تبدى للأميركيين أن من شأن تصدع علاقتهم بالأتراك وهو الأمر الحاصل منذ ثلاث سنوات على الأقل، أن يؤدي إلى خروج أنجرليك عن السيطرة الأميركية، ومن المؤكد أن اللقاءات الأميركية الروسية تحوي الكثير من المحاولات لإقناع الروس بهذا المطلب انطلاقا من أنه يتناغم مع الوجود الروسي في الساحل السوري.
في التنبؤات يقول السفير الأميركي الأخير في دمشق روبرت فورد في مقابلة نشرتها جريدة الشرق الأوسط في 19 حزيران إن الأميركيين سوف يهزمون في سورية تماما كما هزموا في لبنان عندما اضطروا للانسحاب في أعقاب تعرض مقر المارينز في بيروت لتفجير مدو في 23 تشرين الأول 1983، كما يتنبأ فورد أن الأكراد سوف يدفعون الثمن باهظا بسبب رميهم لبيضهم كله في السلال الأميركية التي لا تراعي كما يبدو، قواعد السلامة العامة التي تستدعي وضع مواد عازلة داخل السلة ما بين البيض وخصوصاً أن طريق النقل سوف يكون وعرا بل يزداد وعورة بتقدم المراحل.
هناك في الإدارة الأميركية من يدفع دونالد ترامب إلى مواجهة إيران في اليمن والعراق وسورية ولبنان في آن واحد، والراجح أن كفة هؤلاء باتت هي الوازنة، وبمعنى آخر، فإن دونالد ترامب بات مقتنعا بهذا الأمر في سياق مواجهة كبرى مع روسيا، تبدو لازمة لقيام «يالطا» إقليمية على الأقل، وهذه القناعات تتزايد لدى الرئيس الأميركي كلما تكررت فصول «روسيا غيت»، ولذا فإن هذا الأخير ذاهب بالتأكيد نحو أن يحيل المنطقة برمتها، إلى كرة ملتهبة لزوم تحقيق المصالح الأميركية فيها.
بعيداً عن فورد وتنبؤاته التي يبدو أنها تملك قسطاً وافراً من الواقعية أو هي تمثل استقراء منطقياً للمسار الذي نقف على بعد أمتار من عتباته، فإن من المؤكد أن واشنطن قد تجاوزت خط الرجعة، على حين أن الروس ذاهبون نحو وءد المشروع الأميركي في مهده في الوقت الذي لا تبدو فيه القوة الأميركية الحاضرة والتي تستخدم الهيبة كبديل لممارسة الحرب، تملك من القدرات ما يكفيها لفرض المرامي التي تسعى إليها، بما فيها الإعلان عن وصول حامله الطائرات جورج بوش إلى سواحل حيفا مطلع الشهر الجاري.
مهما يكن من أمر، فلا بديل من الحرب كمدخل أساسي لإحداث تحولات كبرى، فعلى مر التاريخ لم تكن المفاوضات أو التوافقات ناجحة في إحداث تلك التحولات، ووحدها الحروب كانت على الدوام قادرة على أن تفعل.