أي رهانات يعقدها أكراد سورية

| مازن جبور 

مرة جديدة، يراهن الرئيس المشترك لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي صالح مسلم على الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حيث أطلق نداء إلى كل من موسكو وواشنطن من أجل إنقاذ عفرين من التدخل التركي المزمع، بما يبدو أن كرد سورية لم يتعلموا من دروس الأزمة السورية، فمن يناشدون، واشنطن التي دعمت هجوم الجيش التركي ضد القوات الكردية في جرابلس ومناطق مختلفة غرب الفرات، أم «التحالف الدولي» الذي مهد طيرانه لدخول الجيش التركي إلى مدينة جرابلس.
رغم سعي الحكومة السورية الدائم للحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات مع التنظيمات الكردية الموجودة في شمال وشمال شرق سورية، إلا أنهم ما لبثوا أن انقلبوا على تلك التفاهمات، وسيطرت في شهر آب 2016 القواتُ التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي»، إثر هجمات متكررة ضد الجيش ومراكز الإدارة الحكومية، على معظم محافظة الحسكة.
اعتبارات مختلفة شكلت أسباباً للخلاف بين دمشق والتنظيمات الكردية في سورية، بدءاً من التوجه الكردي إلى إعلان «الإدارة الذاتية» ثم «الفدرالية»، وصولاً إلى انخراطها في مشروع أميركي معادٍ للدولة السورية.
لقد أغوت واشنطن كرد سورية، ما دفع بالقيادات الكردية للرهان على الولايات المتحدة، وهاجمت المؤسسات الحكومية السورية في مناطق التواجد الكردي الرئيسي في سورية، بهدف تحقيق تقدُّم في مشروعها الكياني، من خلال السيطرة على «جغرافيا مؤسسة» في المنطقة الشرقية، وترافق هذا الاندفاع التركي مع ارتفاع مستوى الاعتمادية الأميركية على «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، التي وضعت علاقاتها مع روسيا في مهب الريح، ما دفع روسيا إلى التهديد بالمقاطعة، ولعل إغلاق المكتب التمثيلي لهم في موسكو كان بمنزلة العقوبة المبدئية على التصرفات الكردية غير المسؤولة.
ورغم الثروات الزراعية والباطنية التي تتمتع بها مناطق التوزع الجغرافي الرئيسي للأكراد في سورية في الحسكة ومدينة القامشلي التابعة لها، إلا أن الدولة اضطرت للتخفيف من تواجدها في تلك المناطق لعدة أسباب أبرزها: أولا، حجم المؤامرة التي تعرضت لها سورية وعدم قدرتها على نشر جنودها على كامل جغرافيا البلاد، بل ركزت القوات السورية في مراكز المدن وهو ما حصل في مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى ذلك فإن شرق وشمال شرق سورية هي مناطق صحراوية يصعب الانتشار فيها وهي قليلة الكثافة السكانية حيث يتركز التوزع السكاني فيها في مراكز المدن الرئيسية. وثانيا، وضعت الدولة احتمال ألا ينجر الكرد السوريين إلى سياقات الحرب على سورية وأن يحافظوا على كونهم جزءاً من النسيج الاجتماعي، إلا أنهم ما لبثوا أن استغلوا الأزمة وانخرطوا في المخطط الأميركي.
حاول الكرد منذ بداية الأزمة اتخاذ مواقف براغماتية، تمكنهم أن يستفيدوا مما يجري بتحقيق مكاسب غير مسبوقة كردياً، وفي هذا الإطار أقام حزب الاتحاد الديمقراطي الإدارة الذاتية، ثم أعلن عن «فدرالية» على أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية، وافتتح مكاتب تمثيل له في باريس وواشنطن.
ومع انسحاب الحكومة أو تخفيف وجودها في المناطق الكردية، كان حزب الاتحاد الديمقراطي يزيد من نشاطه العسكري، ويستولي على المزيد من القرى والبلدات، ويطبق المزيد من الصلاحيات والسياسات «الكيانية».
ازدادت هواجس دمشق تجاه محاولة الأطراف الكردية الذهاب بعيداً في إعلان «الإدارة الذاتية» و«الفدرالية» وإقامة علاقات «تمثيلية» في واشنطن وباريس وموسكو التي رفضت الخطوات أو الإجراءات الكردية، وقالت إنها لن تسمح بإجراءات أحادية يمكن أن تؤثر في وحدة البلاد، وأخذت العلاقة مع الحكومة السورية طابع «الابتزاز»، الذي كان يزداد كلما تمكَّنت القوات الكردية من تحقيق تقدم ميداني في مواجهة داعش.
أقام الأميركيون قواعد عسكرية ومطارات في «تل حجر» قرب الحسكة، و«روباريا» قرب عين العرب وغيرهما، وقدموا الدعم والتدريب لـ«قسد»، تحت عنوان محاربة داعش.
إن تقديرات واشنطن بأنه ربما يكون الكرد هم القوة البديلة عن داعش والحكومة في آن، بعد تحقيقهم مكاسب كبيرة في الميدان، لا بد أنه بدأ ينزاح مع التقدم الذي يحرزه الجيش العربي السوري في كامل الجغرافيا السورية، مؤكداً مراراً وتكراراً، أنه لن يتنازل عن شبر واحد من التراب السوري، وهذا يعطي مدلولات أن الموضوع الكردي مؤجلاً لدى الدولة السورية وليس ذا أولوية الآن.
بمرور الوقت، أظهر الكرد ميلاً متزايداً للولايات المتحدة، فأصبحوا أكثر استعداداً لتلقي ما تريده واشنطن، حتى لو كان في ذلك تهديداً لعلاقاتها مع موسكو وطهران ودمشق بطبيعة الحال، وقد أصبحت «قسد» بمثابة «قوات برية» للتحالف وتصرفت بوصفها كذلك، حتى إن الإعلان عن عملياتها كان يتم من وزارة الدفاع الأميركية.
إذا ما نظرنا إلى الموقف الأميركي من عملية الجيش التركي في جرابلس السورية في 24 آب 2016، يتبين لنا كيف أن واشنطن أمَّلَتْ الكرد بجرابلس، لكنها سرعان ما دعمت العملية التركية هناك، آمرة الكرد بالانسحاب إلى «شرق الفرات».
كل ما سبق، يجعل من المهم على الأكراد السوريين التدقيق في أسئلة مُلحَّة: هل دورهم وظيفي أم أساسي، وهل تصبح قواتهم أداة أميركية، تتنازل عنها متى اقتضت مصلحتها ذلك، وأي استغاثة يطلقها صالح مسلم، وأي استجابة ينتظر ممن تاجروا بطموحات حزبه الزائفة، وأي نجدة يريدها من موسكو التي وضعها وراء ظهره ومال باتجاه واشنطن منحنياً طائعاً؟
إن تقديرات القيادات الكردية حول الأزمة السورية لعبت دوراً كبيراً في سياسات تنظيماتهم وأحزابهم خلال الأزمة، ولعل الشعور بأن الأزمة قد تفضي إلى تقسيم سورية، دغدغ طموحاتهم السلطوية في الحصول على أقاليم مستقلة، وفي الحصول على وزن أكبر، في التسوية السياسية للأزمة وفي إعادة الإعمار.
تناسى الكرد السوريون أن الحرب لم تنته وأن التحول في توازنات القوى وفي مصالح أطراف الأزمة السورية، قابل ليغير اتجاهه في أي لحظة، وقد لا يكون في مصلحتها، وأن المصلحة الحقيقية لكرد سورية مع الدولة السورية التي تعتبرهم أحد المكونات الرئيسية للمجتمع السوري، ولا تعتبرهم أداة للاستعمال والرمي عندما تقتضي المصلحة، أو ورقة تفاوضية تساوم بهم، في الوقت ذاته ربما تستجيب واشنطن لاستغاثة صالح مسلم لكن استجابتها ليست من مبدأ الوفاء أو التمسك بحلف إستراتيجي، وإنما من مبدأ مصلحة تقول إن الدور المعطى للأكراد من واشنطن لم ينته بعد.
القيادات الكردية تسعى للحصول على جغرافيا مستقلة للكرد في سورية، في ظل سيطرتها على مساحات واسعة، ولكن هذه المساحات غير قابلة للتحول إلى كيان كردي، نظراً لأن الكرد في سورية موزعون على كامل الجغرافيا السورية، وليس ثمة جغرافيا خاصة بهم، ذلك أن العرب والتركمان والشركس والأرمن والآشوريين والسريان وغيرهم يشاركونهم القرى والبلدات نفسها، حتى في مناطق الحدود مع تركيا، إذ ثمة فواصل جغرافية واسعة بين مناطق تواجد الكرد.
كل ما سبق، يتركنا حائرين أمام سؤال رئيسي مفاده، أي مغامرة يخوضها أكراد سورية في رهانهم على واشنطن؟