قمة هامبورغ.. التاريخ إذ يتسارع

| أنس وهيب الكردي 

للتاريخ مـكره، فلطالما ارتبطت المراحل التاريخية التي شهدتها أوروبا، وكثير من الأحيان، العالم، بأسماء مدن ألمانية. فمدينة آخن «آكس لاشابيل» شهدت ولادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة (800 م) والتي أرست نظام ازدواجية السلطة الزمانية والدينية ما بين البابا والإمبراطور.
وفي مقاطعة وستفاليا «1648 م» تبلور النظام الدولي القائم على سيادة الدول وانهيار نظام العصور الوسطى في أوروبا القائم على الإمبراطورية والإقطاعية. أما المنتصرون على إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت فقد نظموا أوروبا والعالم في مؤتمر فيينا (1815 م) حيث أرسوا توازناً للقوى في القارة العجوز حفظ الاستقرار لمئة عام.
وفي بوتسدام الألمانية، أنهى حلفاء الحرب العالمية الثانية 1945 تقسيم العالم. ومن برلين وفيها، انطلقت شرارة الحرب الباردة 1946 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وأخمدت نارها 1989.
وفي هامبورغ 2017 يبدو أن التاريخ قد قرر أن يسرّع خطواته ويؤكد انتقال العالم إلى مرحلته ما بعد القطبية الواحدة. وكانت إرهاصات المرحلة الجديدة قد انطلقت مع نهاية الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الابن، وبالتحديد نتيجة إخفاق إدارته في العراق وأفغانستان، واندلاع الأزمة المالية العالمية 2008. وسعى خلفه باراك أوباما إلى تجديد القيادة الأميركية للنظام الدولي عبر استخدام «القوة الذكية». لكن، دونالد ترامب بدد جهود سلفه.
وعماد العصر الأميركي Pax American، الذي شهده العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، هو عزم واشنطن على خلق معايير ونظم عالمية، مشتقة من الليبرالية واقتصاد السوق الحر، إضافة إلى قوة تحالفاتها الجيوسياسية وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي «ناتو». لكن ترامب تعهد بتجديد العظمة لأميركا، وإعادة النظر في تحالفات بلاده، والانسحاب من ترتيبات عالمية سبق لواشنطن أن ساهمت في صياغتها، وأهمها اتفاقيات التجارة الحرة، واتفاق باريس حول المناخ في سياسة يعتبرها منتقدوه «انعزالية». ولقد صدم ترامب الأوروبيين خلال قمة «ناتو» في بروكسل، عندما رفض التأكيد على التزام إدارته بالمادة الخامسة من معاهدة الحلف، والتي تنص على الدفاع المشترك ما بين الدول الأعضاء. وتمثلت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما سحب الرئيس الأميركي توقيع بلاده عن اتفاق باريس، بعد أيام من إظهاره الشقاق بين الدول الكبرى السبع في قمة المجموعة بإيطاليا.
ترامب لم يكتف بهذا، بل إن دعمه لليمين الأوروبي المناهض للوحدة في القارة، كزعيمة الجبهة الوطنية ماري لوبان في الانتخابات الفرنسية الرئاسية السابقة، جعله يقف على النقيض من حلفائه الألمان. تصرفات ترامب دفعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى التعبير عن خيبة أملها حيال سياسات إدارته، والإعلان لأول مرة عن عزم برلين انتهاج سياسة تركز على الاحتفاظ بالوحدة الأوروبية.
هكذا ستشهد المدينة الألمانية تبلور الانشقاق في التحالف الغربي ما بين ألمانيا والولايات المتحدة، وتوجه برلين نحو بكين ونيودلهي لإنعاش «النظام الليبرالي العالمي الذي أرساه «ميثاق واشنطن»!!. وكانت مجموعة العشرين قد نشأت كرغبة في التفلت من السيطرة الغربية على نظام الاقتصاد العالمي في التسعينيات من القرن العشرين، وتعزز نفوذها بعد الأزمة العالمية المالية، وبعد الشقاق في قمة السبع التي تضم واشنطن وأوثق حلفائها في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، سيتعزز دور هذا التجمع العالمي.
ولا تقتصر أبعاد المرحلة المقبلة للنظام الدولي ما بعد القطبية الأحادية والسيطرة الغربية، التي ستظهر في قمة هامبورغ على الجانب الاقتصادي، بل من المؤكد أن القمة ستشهد المزيد من تخلخل السيطرة الغربية على الشؤون العالمية. فعشية قمة هامبورغ اتفق زعيما روسيا والصين على مبادرة دبلوماسية للتهدئة في كوريا الشمالية، وذلك في حين انعقد اجتماع «أستانا 5» حول سورية والذي يمثل محاولة روسية تركية إيرانية لتسوية الأزمة السورية بعيداً عن المحور الغربي.
واضطرت الولايات المتحدة إلى الأخذ بعين الاعتبار السياسة الروسية حول سورية، وبناء على ذلك تقرر اللقاء ما بين زعيمي الدولتين خلال قمة هامبورغ.
وأعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيبحث مع ترامب آفاق حل الأزمة في سورية وسير اجتماعات أستانا التي تعقد في هذا الإطار، إضافة إلى مسائل تعاون روسيا والولايات المتحدة في مجال استمرار العمل المشترك لمكافحة الإرهاب. وأعرب المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف عن أمله في أن يتيح اللقاء المرتقب إقامة «حوار حيوي» بين روسيا والولايات المتحدة فيما يتعلق بتفعيل حل الأزمات والقضايا بالغة الأهمية.
ستكون الأعين مسلطة على مدينة ألمانية جديدة في حين العالم يخطو خطوة كبيرة في الطريق نحو نظام جديد كلياً.