تركيا والدور المغذي للأزمات والحروب

| صياح عزام 

سارعت تركيا بإرسال جنودها إلى الدوحة، ما يؤكد بشكل واضح أنها تقف في صف قطر، ليس سياسياً وإعلامياً فقط، بل عسكرياً فيما لو تطورت الأزمة لتصل إلى الصدام العسكري، ولم تكن زيارة وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو إلى بعض دول الخليج سوى ذر رماد في العيون، لكون الزيارة جاءت بعد أن تم إرسال العتاد والجنود إلى القواعد التركية في قطر.
لو استرجعنا بعض الأحداث خلال فخ ما يسمى «الربيع العربي» الذي وقع فيه البعض، فسنجد أن تركيا في عهد رئيسها طيب رجب أردوغان وحزبه الذي يرأسه «حزب العدالة والتنمية» لعبت على الدوام دور «المغذي» للصراعات، وأن نهجها تجاه العرب كان دائماً نهجاً عدائياً، لأن حزب العدالة التركي هو بالأساس فرع من فروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
إن هذا الخيار العسكري المباشر لتركيا، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك طموحاتها تجاه المنطقة العربية، ولعل خطورة الدور العسكري التركي استشعرته الدول المقاطعة للدوحة، فجاء مطلب إغلاق القاعدة العسكرية التركية في الدوحة كأهم المطالب التي تقدمت بها الدول المقاطعة للوسيط الكويتي الذي أبلغها لقادة قطر، الأمر الذي يبين خطورة التنازع الإقليمي على المنطقة العربية.
الطموحات التركية تجعل أنقرة تلعب أدواراً مشبوهة، فهي سارعت، كما أشرنا، إلى إرسال الجنود والآليات الحربية، ثم تبعتها بضخ المواد الغذائية والبضائع لفك المقاطعة عن قطر، وكأنها ترسل رسائل تحذير للدول العربية، تتضمن أن المساس بالدوحة يعني المساس بأنقرة، وأنها مستعدة للدفاع عن قطر حتى بالوسائل العسكرية!
السؤال، لماذا هذا التحالف القوي بين البلدين؟ الإجابة واضحة وبسيطة: الدوحة هي عاصمة الإخوان المسلمين، وأنقرة هي الفرع القوي عسكرياً واقتصادياً، وعليها تقع مسؤولية حماية التنظيم، واستخدام العنف في وجه أي خطر يهدد هذا التنظيم.
وهذا حصل في كل التجارب الإخوانية السابقة، إذْ لجأ الإخوان إلى العنف ضد السلطة الشرعية في أكثر من دولة عربية وإسلامية، وبالتالي فإن الخيار العسكري الذي اختارته أنقرة، هو جزء من المنطق الإخواني الذي يقوم على افتعال الأزمات وتأجيجها لإنهاك الدول.
الشواهد والأمثلة كثيرة على أن تركيا كانت تقف دائماً ضد المصالح العربية، ومغذية للصراعات والأزمات، مخالفة المنطق الديني الذي يقوم على تقريب ذات البين.
في سورية، لعبت تركيا إلى جانب قطر أخطر الأدوار في تمويل المجموعات الإرهابية، وضخ عشرات آلاف الإرهابيين العرب والأجانب، وذلك لقتل السوريين وإسقاط دولتهم.
وهنا لا يخفى على أحد، أن مطارات تركيا كانت طوال سنوات الحرب على سورية تشكل محطات لتوافد الإرهابيين الذين جرى تدريبهم وتجنيدهم في دول متعددة، لقد غذت تركيا الإرهابيين في سورية وآوتهم، وكانوا يصولون ويجولون فيها بارتياح تام، ويتنقلون من تركيا وإليها لينفذوا عمليات إرهابية في دول عدة، ثم يعودون إلى أنقرة سالمين، ليلتحقوا بأرض «الخلافة» الداعشية المزعومة.
في تونس نفذ إرهابيون عمليات قتل واغتيال، ثم فروا إلى ليبيا، ومنها إلى أنقرة التي سهلت عودتهم، كذلك حدث الأمر نفسه في العمليات الإرهابية في أوروبا، حيث غالباً ما كانت ترد في السيرة الذاتية التي تنشر عنهم: «ترددهم على تركيا».
في مصر، كانت تركيا تتدخل بوقاحة في الشأن الداخلي المصري وتحرض على مصر وجيشها، وكان أردوغان يرفع شعار «رابعة» تأييداً للإخوان المسلمين، ويصف حتى الآن ما حدث فيها بأنه انقلاب على الشرعية.
في العراق، تستبيح تركيا أراضيه يومياً كما تستبيح الأراضي السورية في الشمال.
في ليبيا نشرت تركيا الفوضى والرعب في قلوب الليبيين الأبرياء، سلاحاً وسلعاً، مقابل النفط الليبي ودعم الميليشيات التي تعتبر المدن التركية ملاذها الآمن في وقت الشدة.
إذاً، تركيا لا تريد أن تكون هناك دول عربية قوية تنافسها، وكانت قطر شريكتها تمول كل الأنشطة الإرهابية، وانخدعت دول عربية بأكذوبة «الربيع العربي» فساندتهما قبل أن تتفطن إلى جحيم المؤامرة التي يقودها المحور التركي القطري ضد العرب.
وهنا، كان على الدول المقاطعة لقطر، أن تقاطع تركيا، وتكشف أوراقها وملفاتها ضد الدول العربية.
باختصار، على العرب أن يدركوا حجم الخطر التركي، وأن يعملوا بجد وبفعالية على التصدي له قبل أن يمتد إلى دول عربية أخرى كما امتد إلى سورية والعراق وليبيا ومصر.
وفي إطار هذا الدور التركي المغذي للأزمات جاء دور أردوغان في محادثات «أستانة 5» كمعطل وتخريبي ومعوق للتوصل إلى توافقات بشأن مناطق تخفيف التوتر في سورية وهذا ليس مستغرباً.