بوتين وترامب.. الصورة المشوشة

| مازن بلال 

عكست قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب طبيعة النزاع السوري، فكلا الدولتين غير قادرتين على إحداث تحولات واضحة في منحى الصراع، والأخطر من ذلك هما عاجزتان بشكل إفرادي على رسم خطوط تماس واضحة؛ مما جعل القمة في هامبورغ تذهب نحو الهدف الأسهل في محاربة الإرهاب، من دون الدخول في الجدل حول تحديد المنظمات الإرهابية، فالتوافق يستند أساسا إلى إزاحة داعش كعامل في رسم ملامح المنطقة، وهو ما أثر في المصالح الإقليمية والدولية، ولم يذهب نحو شرق أوسط جديد وفق التصور الأميركي، بل تحول إلى نقاط صراع مختلفة وخلق تحولات حتى في نوعية النخب السياسية الدولية، فدونالد ترامب هو أحد التجليات التي خلفتها السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالم عموماً.
الصورة الأولى لتوافقات موسكو وواشنطن لم تتضح بعد، لكن إدخال المنطقة الجنوبية لسورية ضمن «وقف الأعمال القتالية» يؤكد أن الهامش بين الكرملين والبيت الأبيض أصبح أكثر اتساعاً من أجل المبادرات السياسية، وبعد خطورة التماس المباشر ظهرت اليوم إمكانية دخول الولايات المتحدة في مناطق تخفيف التصعيد، لكن المقلق في هذا الأمر يتعلق بأمرين:
– الأول في القدرة على ضبط الصراعات المختلفة حول سورية، وعلى الأخص ما بين السعودية وإيران التي تنعكس على كل الجبهات السورية، فمن دون الحدود الواضحة للعلاقة ما بين الرياض وطهران ستبقى احتمالات التصعيد قائمة.
تطرح موسكو وجود إيران كشريك في الحل، على حين لم يصدر عن واشنطن أي مؤشر يوحي بأن السعودية يمكن أن تشارك في أي ترتيبات مستقبلية، فهي على ما يبدو فضلت «لجم» قطر من خلال الأزمة الخليجية الحالية، والإدارة الأميركية لا تبدي حماسا لمشاركة الأطراف الإقليمية بما فيها إيران في دبلوماسية ترتيب شرقي المتوسط، فالتعقيدات ستمنع عملياً من إيجاد واقع في سورية يضمن مصلحتها وأمن «إسرائيل»، فجميع الأدوار الإقليمية سيزيد من فرص التصادم بما فيها إعطاء الرياض دوراً أكبر في حل الأزمة السورية.
– الثاني طبيعة الدور التركي المنغمس في أكثر من صراع، فهو في صلب الأزمة الخليجية عبر قواته في قطر، وفي المقابل يريد «اقتطاع» حصة له في الشمال السوري، والمأزق هنا هو صعوبة تحييد تركيا عن المشهد على الأخص في ظل الدعم الأميركي لـ«قوات سورية الديمقراطية».
ترى موسكو أن تركيا وإيران جزء من الترتيبات الأساسية في الشرق الأوسط عموما، على حين يختلف المنظور الأميركي الحالي بشكل أو بآخر عن الرؤية الروسية، فهو ينظر إلى أنقرة ضمن السياق الخاص بحلف شمال الأطلسي، ومن جهة أخرى كدولة مؤثرة في التوازنات الدولية نتيجة سيطرتها على أهم ممر بحري لروسيا، ومن هذه الزاوية تريد واشنطن البعد الإستراتيجي الأكبر للدور التركي، على حين تقوم روسيا بسحب الموقف التركي نحو موقع آخر ضمن المنظومة الأمنية للشرق الأوسط.
بينت القمة الروسية الأميركية أن الأزمة السورية يمكن أن تشكل مكاناً مهماً للتوافق؛ انطلاقا من أنها حرب بدأت لاختبار الأدوار الإقليمية ولن تنتهي إلا بتغيير التوازنات حتى بالنسبة لـ«إسرائيل» التي تحتاج لصياغة «مفهوم أمنها» من جديد بعد أن تكسرت كل القواعد القديمة السائدة في المنطقة، فالمنطقة الجنوبية في سورية هي البوابة على ما يبدو لرسم الملامح القادمة للدورين الأميركي والروسي، وليس لأي دور إقليمي آخر.