ثقافة وفن

«في ظروف غامضة» لوحة يعيد تركيبها المشاهد والممثل…سؤال الجريمة لم يعد «مَن؟» بل «لماذا؟»

 بثينة البلخي : 

حينما تكتشف أن كل شيء حولك دخل أتون المبالغة والتنميق، وبات مزيفاً وممجوجاً، مثيراً إلى حد التوتر، على حين تصر على البحث عما يشبهك، وأنت الشخص العادي في هذا العالم الذي يعج بالغرابة، فقد تجد «في ظروف غامضة» ضالتك، لماذا؟ لأنك ببساطة مللت الإفراط في اللعب على أوتار جراحك، فأن تكون سورياً عبثت به الحرب وسلبته ابتسامات الفرح الحقيقية، لا يعني أنك لم تعد قادرا على أن تشبه نفسك، ولا أن يقرر الآخرون سجنك في زنزانة الحرب وأنت تنوي إطلاق بصيرتك خارج حدودها.

شكل آخر للأزمة كوصفة للعلاج من دون ألم في مسلسل «في ظروف غامضة» يقدم لنا فادي قوشقجي شكلاً آخر للأزمة ولكن بحرص على ألا يجعلنا تحت وطأة أزيز الرصاص وأخبار الألم وتفاهات منظري الحرب، وألا يقدم لنا الأزمة وجبة ثقيلة على طاولاتنا في رمضان، ونحن الذين نحاول أن نهرب منها. إنه يقدم لنا أنفسنا المغربة عن واقعها، والغارقة في كذبات صاغها لنا من حولنا، الذين ربما يكونون أقرب المقربين لنا، ويترك لعقولنا أن تكتشف هول ما نحن فيه، كوصفة للعلاج من دون ألم.
في إسقاط على الحالة السورية، قد يكون متعمداً وقد لا يكون، يرتكب الابن الأصغر جريمة بعائلته كاملة في غياب أحد أفرادها، ثم ينتحر، ما يشبه إلى حد ما شخصاً باع الوطن وكان سبب خرابه، إذاً فالكاتب اختار الأسرة كمنطلق لعمله، وإن لم يصرح بهذا الإسقاط، لكنه ممكن أو ربما تكون الأزمة من جنحت بأفكارنا إلى هذا الحد.

التشظي لتركيب لوحة مبهمة العوالم
في إطار من أسلوب التشظي الذي اختاره الكاتب لسرد الحكاية معتمداً شكلاً روائياً أكثر منه درامياً، تبدأ بطلة المسلسل دارين (نسرين طافش) الابنة المفجوعة، باكتشاف الزيف الذي كانت تعيشه وسط عائلة ظنت زمناً أنها مثالية، حيث يقود قوشقجي الذي يجيد فن الحبكة والتشويق، دارين لتكتشف الأسرار والخبايا حتى تعيد تركيب لوحة ليست مفهومة لها أو حتى للجمهور المتابع الذي وجد نفسه متفاعلاً معها وباحثاً عن الحقيقة.

السؤال ليس من؟ بل لماذا؟
لم يختر قوشقجي لدارين أن تكون في موقع العارف الكلي بالحكاية، فتجلس كبيرة في السن، مهمومة، ومملة، تسرد لنا أحداث الماضي، بل على العكس آثر أن يخلق هذا التشابك بين الماضي والحاضر، مازجاً في مهارة مشتركة مع مخرج العمل المثنى صبح تقنية الفلاش باك بمشاهد الحاضر، ليقدم الاثنان وصفة درامية لتحفيز المشاهد على المتابعة عبر التعاطف العميق مع دارين وتصاعد الأحداث على نحو يجعل السؤال- على غير العادة- ليس من؟ بل لماذا؟

في ثنايا كل قصة قصة أخرى
على أن الكاتب حين اختار لدارين أن تكون المحور، لم يخف الشخصيات الأخرى عن ساحة اهتمام المشاهد، ففي ثنايا كل قصة، قصة أخرى، ودارين كانت المحرك الذي لا نلحظ تطوراً طارئاً عليه، بل هو أمر نلحظه في شخصيات أخرى منحها قوشقجي سمة المحورية، وعلى سبيل المثال فاتن (مديحة كنيفاتي) الفتاة اللعوب هي الرابط بين معظم الشخصيات الأساسية، مثل عامر (يزن خليل) الأخ الأكبر لدارين الذي يصدمها أن تكتشف أنه على علاقة بفتاة مثل فاتن، وسالم (محمد خير الجراح) المعروف بالفساد والانتهازية والذي تربطه علاقة وثيقة ومصالح متبادلة مع والد دارين، تجعلها مصدومة بأبيها الذي يبدو ظاهره مقنعاً في التمسك بالأخلاق على حين الفساد يتغلغل فيه، وإلى ذلك كله ترتبط فاتن بعلاقة مع مازن (ميلاد يوسف).

مازن الشخصية الأكثر تطوراً وغرابة
مازن هو بدوره شخصية محورية أيضاً نشهد تطورها خلال العمل، والتي تبدو لنا غريبة بالقياس إلى مظهرها العام الذي اختاره لها الكاتب، فهو ليس المثقف الجامعي كما دارين التي يرتبط معها بعلاقة عاطفية من شأنها أن تقدم للمشاهد جرعة رومنسية هو بحاجة إليها وسط المواقف المؤلمة والصادمة المتكررة مع بطلة المسلسل، كما أنه عامل بسيط لكنه أنيق الملبس، وليس سطحياً بل عميق، تفكيره أبعد من تفكير عامل يجمع قوت يومه وهو مستمر في طرح سؤال وجودي خلال معظم المسلسل «ما سبب وجودنا نحن البشر؟» الذي جاء خفيف الوطأة على المشاهد بسبب خفة دم تميز بها أداء ميلاد يوسف جعلته بعيداً عن التنظير والفلسفة التي لا يتأتى لكل شرائح المجتمع فهمها وإدراك معانيها.
من الشخصيات التي منحت العمل نكهة واقعية رغم أنها لم تكن مهمة جداً، لكنها شكلت عاملاً في تقديم مجموعة من أفكار الكاتب، شخصية كاتيا الجارة الفضولية، السطحية والمتناقضة بين خير تريده لدارين، ومشاعر بالشماتة لا تفوتها بين حين وآخر، لكن وجودها في العمل كان مفيداً لمصلحة التنوع وإعادة تقييم علاقتنا مع محيطنا والمنطقية في التعامل مع سلبياته وإيجابياته.

رغم الملل عوامل النجاح حاضرة
إذا ما تجاهلنا بعض مواطن الملل الذي تسلل إلينا عبر المشاهد المتكررة، والإفراط في العودة إلى الماضي دون مسوّغ أحياناً، فإن الاهتمام بالتفاصيل إلى حد يلاصق الواقع بشفافية جميلة، وعمق الحوارات التي يحملها الكاتب أفكاراً وعبراً عميقة، والحبكة المتقنة، والصورة الكلية التي توشك أن تكتمل، فضلاً عن الصورة البصرية الأنيقة البعيدة عن الإثارة المتكئة على العنف كما هو الحال في كثير من المسلسلات الأخرى، والشارة التي كتب كلماتها العميقة «بحر أوديسا» وأدتها بشجن الفنانة «تانيا صقال» وجاءت كما شريط زينة يلف خصر الفكرة الموحية، كانت أبرز عوامل نجاح «في ظروف غامضة».
عوامل جعلت النص المميز، الذي ضحى فيه الكاتب بالإثارة ورفع وتيرة الأحداث لمصلحة عدم الاعتماد على غرائز المشاهد، الذي وقع بين أيد أمينة من ممثلين وتقنيين ومخرج موهوب، هو الوجه الجميل للدراما السورية في رمضان الـ2015.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock