الرئيسية | ثقافة وفن | طرائف التسميات في البيت الدمشقي

طرائف التسميات في البيت الدمشقي

| شمس الدين العجلاني

يشكل البيت الدمشقي فناً معمارياً مميزاً، متقناً، فكل أقسامه من الداخل والخارج تتناسب وتنسجم مع العادات والتقاليد التي كانت سائدة في تلك الأيام، ومع طبيعة الحياة اليومية.
يراعى في تصميم وتنفيذ وتزيين البيت الدمشقي بكل أقسامه أن تشع الطمأنينة والراحة والسكون والهدوء، في كل أرجائه.
البيوتات الدمشقية نوعان منها الكبير الذي يعتبر بمنزلة القصور كبيت البارودي في حي القنوات وبيت نظام في حارة مئذنة الشحم في حي الشاغور، وبيت السباعي جنوبي سوق مدحت باشا في حي الدقاقين جادة ناصيف باشا، ومنها الصغير وهو المنتشر بكثرة داخل سور دمشق وهذه البيوتات متعانقة مع بعضها البعض نظراً لضيق المساحة داخل السور، ومرد ذلك حسب المؤرخ ابن طولون أن غارات الصليبين في القرن السادس الهجري قد حملت سكان القرى والأرياف حول دمشق على الخوف والهرب إلى داخل سور دمشق فصار عدد السكان ضعفي ما كان عليه سابقاً، فضاقت الأزقة والحارات بعدد السكان وكثرة البيوت.
البيوتات الدمشقية الصغيرة تتألف عادة من قبو وأرضي وعلالي ««طابق ثان» والطيارة «غرفة مفردة في أعلى البيت للهدوء».

وصف البيت الدمشقي
وصف وتحدث الكثيرون من المؤرخين والسياح والزائرين والأدباء.. عن البيت الدمشقي، وكان الأديب المحامي نجاة قصاب حسن ممن وصف البيت الدمشقي بأنه يُبنى مثل (المطبقية أو السفرطاس) أي من قبو وأرضي وعلالي وطيارة، وأن النجّار العربي كان هو المهندس الذي يبني البيت، فالدار الدمشقية القديمة كلها من خشب إلا بعض الجدران الحجرية في البيوت الكبيرة، وهي تُبنى أول ما تُبنى هيكلاً من أعمدة الحور كالقفص.
وكانت عملية بناء الهيكل وحسن توجيهه وتوازنهُ وإحكام شد أجزائه بعضها إلى بعض ببراعة ودقةٍ بالغتين، فإذا تم بناء الدار بالخشب الرومي أو الحور، حُشيت فراغات ما بين الأعمدة لَبِناً، وغُطيت السقوف من فوق بالخشب والتراب، ومن الأسفل بألواح مصقولة من الخشب تُسمى «الطوان»، ولم يكن الإسمنت المسلّح مستعملاً أو ضرورياً في عمليات البناء، أما الطينة فكانت من الكلس المقوّى بقشر القنِّب أو من الطين مع التبن، وأما الأرض فكانت من (العدسة) وهي مزيج من الكلس و(القصرمل) الناتج عن حرق الزبل في قميم الحمامات و(الكتكت) وهو من خيطان القنِّب المندوفة ثم تُدق حتى ترص وتصبح ناعمة، وكان هذا قبل أن يوجد البلاط، أما الأغنياء فيستخدمون الرخام أو الحجارة الملونة، كان طراز البناء الدمشقي عازلاً للحرارة في الصيف ومانعاً للبرد والرطوبة في الشتاء، وكان البيت مشتى ومصيفاً.
وكان النجار يُحسنُ توجيه البيت نحو القبلة لتدخل الشمس إلى غرفِهِ شتاءً ولا تدخل إليها صيفاً، ويُحسنُ دوزنة الأرض حتى يأتي الماء إلى الدار من نظام المياه العجيب في دمشق الذي يجعل بردى يتوزع بالانسياب الحر في كل منازلها على الإطلاق، وكان الواحد من هؤلاء النجارين المهندسين إذا أوشك بيت قديم أن يتهدّم ويتداعى بأن انكسرت خشبة السقف المستعرضة، يُحسنُ تعليق السقف بأعمدة تدعمها باستخدام (المخل)، ولذلك فنٌ مرهفٌ يجمعُ بين القوة ودقة الحس إذ تؤدي حركةٌ بسيطة غير محسوبة إلى الانهيار الكامل.

التسميات في البيت الدمشقي
هنالك تسميات طريفة غريبة لغرف وقاعات البيت الدمشقي والقاعات وباقي أقسام البيت والتفصيلات الداخلية له، وأغلب العامة من الناس يعرفون أن البيت الدمشقي يتألف من السلملك والحرملك والخدملك، ولكن هنالك تسميات طريفة وغريبة لغرفه، فهنالك الفرنكة، الطيارة، الليوان، بيت المونة، الصالية، المربع، المنزول، القصر، المضافة أو الديوانية أو البراني، اليوك، الكتبيات، النصية وهنالك أيضاً باب الخوخة!

باب الخوخة
يكون الباب الرئيس في البيوتات الدمشقية الكبيرة عادة باباً ضخماً يضمُّ باباً أصغر يتوسَّطه، وهذا الباب يسمح بمرور الأشخاص فقط، أما في حال دخول الأشياء ذات الحجوم الكبيرة، كالأثاث وغيره، فيفتح الباب الكبير ويسمى الباب الصغير بباب «الخوخة».
تصنع أبواب البيوتات الكبيرة من الخشب، وقد تغطى بالتوتياء وتزخرف بمسامير كبيرة، وقد تكون الزخرفة أشكالاً هندسية أو نباتية. والطريف أن اسم مفتاح البيت في تلك الأيام كان يسمى الساقط.
بيت المونة

هو القبو في البيت العربي، الذي يحتوي على الخضراوات المجففة، مثل الكوسا والباذنجان، والبامياء، والفول.. والجبن المغلي، والمكدوس، والمعقود «المربى»، والزيت والزيتون.

أرض الديار
يصفون باحة البيت التي تسمى أرض الديار بأنها من أجمل ما يحتويه البيت العربي، ففيها أشجار الكباد والنارنج والبرتقال والليمون المحوطة بالورد والياسمين وتشكل البحرة التي تتوسطها، المبنية من الحجر أو الرخام، آية من الجمال والروعة، ولهذه البحرة عدة وظائف، فهي مجمع الماء الذي تسقى منه أشجار ومزروعات وورود أرض الديار، ويتحلق حولها ساكنو البيت في سهراتهم يتمتعون بصوت الماء المتدفق من النافورة، إضافة إلى الاستعمالات الأخرى.

الليوان والقاعة
في الطابق الأرضي من البيت الدمشقي تكون هناك غالباً قاعتان، وقد تكون إحداهما أكبر من الأخرى بينهما جزء مغطى من فوق ولكنه مكشوف على أرض الديار، اسمه (الليوان) تحريفاً لكلمة الإيوان، ويكون عادة متصدراً أرض الديار ومرتفعاً عنها ويشرف عليها، والقاعة قسمان الأول ويُدعى العتبة منخفض على مستوى البيت وفيه غالباً بحرة ماء، والثاني فهو أعلى بنحو 30 أو 40 سنتمتراً ويُسمى (الطرز) ويكون مفروشاً من أطرافه الثلاثة بمقاعد ومساند وسجّاد، والقاعة عادة غرفة كبيرة جدرانها وسقفها من الخشب المطلي المزين بالزخارف.

المربع
إذا كان البيت الدمشقي كبيراً فهو يحتوي على المربعات، والمربع هو الاسم الذي يُطلق عادةً على الغرفة الكبيرة في الطابق الأرضي المطلّة على أرض الديار، ويسكنها بعض أفراد العائلة، وهي مربعة الشكل ولها عتبة وتسمى أيضاً المخدع.

الديوانية
يطلقون في بعض البيوتات على الغرفة القريبة من مدخل البيت اسم الديوانية أو البراني بمعنى «المضافة» وتكون عادة مجلساً لأهل الحل والربط لحل مشكلات أهل الحي فهي مجلس قضاء يفصل في قضايا الناس، وقد تكون أيضاً منتدى اجتماعياً.

الفرنكة
ولكن هناك دائماً درج– من حجر أو خشب- يصعد به إلى القسم الأعلى حيث الغرف تُسمى واحدتها (فرنكة)، الفرنكات والفرنكة اسم قديم للغرف العلوية في البيت الدمشقي.

النصية
وهي غرفة صغيرة تقع في منتصف الدرج بين أرض الديار والفوقاني «الطابق الثاني».

المشرقة
تقع المشرقة في الطابق العلوي بين الغرف وهي فسحة سماوية علوية مكشوفة من ناحية السقف، وتُحيط بها الجدران من ثلاثة الأطراف، والطرف الرابع يطل على أرض الديار، وغالباً ما تكون فيها دالية العنب، وفيها يكون نشر الغسيل، ومنها تكون منادمة الجارات بين بعضهن البعض.

غرفة الطيارة
هي غرفة منفردة في البيوتات الكبيرة التي تحتوي على طابق ثالث وتسمى غرفة الطيارة، وهي أعلى غرفة في البيت، ﻭﻟﻬﺎ ﺩﺭﺝ ﺿﻴﻖ ﺟﺪاً وهي غرفة خاصة للهدوء والتأمل أو حرد أحد أفراد العائلة.
اليوك

صُمم اليوك في القاعة الخاصة بالحرملك، وهو تجويف في الجدار تغلفه (درفتان) من الخشب عليهما رسومات نافرة وجميلة، ويستخدم كخزائن لوضع الحاجيات الشتوية من الملابس.

الداكونة
الداكونة أو الخرسانة وهي غرفة صغيرة تقع عادة أسفل الدرج أو في أسفل الجدران وتوضع بها بعض الأغراض القليلة الاستعمال أو الحطب.

الكتبية
الكتبية واسمها مشتق من المكتبة، وهي تكون في صدر الإيوان على فراغات غائرة ذات رفوف في الجدار تستخدم لوضع الكتب ولها باب عبارة عن درفتين مصنوعتين من الخشب أو الزجاج لإظهار التحف والكتب داخلها.

وبعد
تسميات وتسميات لها أول وليس لها آخر تحمل بين طياتها الطرافة والغرابة، فالسقاطة هي مطرقة الباب، تكون على شكل يد كبيرة ولا يخلو باب خارجي منها، والغال وهو قفل الباب الحديدي، والنملية وهي خزانة المونة الخارجية بمنزلة البراد اليوم، الشمسية وهو الشباك المزين والصغير الذي يسمح بدخول الشمس، ويفتح عادة للتهوية، والقمرية وهو شباك صغير في أعلى المربعات، زجاجه ملون وظيفته إدخال ضوء القمر، والطاقة وهي نافذة صغيرة عالية في المطبخ أو الحمام، والمندلون وهو نصف نافذة تفتح للهواء، والخص وهو شباك على شكل أصابع من الخشب على النوافذ الخارجية تشبه تقطيعاته قطع حلوى البقلاوة، والمشاية وهو ممر بين الغرف، والخرستانة وهي خزانة المطبخ ببابها الخشبي. لقد قال الفنان التشكيلي الفرنسي الدكتور «شارل رينو»: البيت الدمشقي «تفيض الحياة منه بحلم هادئ مسحور».