الرئيسية | قضايا وآراء | «فورين بوليسي» لدونالد ترامب: ارحل

«فورين بوليسي» لدونالد ترامب: ارحل

| عبد المنعم علي عيسى

أطلقت مجلة «فورين بوليسي» الوثيقة الصلة بمطابخ القرارات التي تصدر عن ثالوث: البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية الأميركية، تنبؤاً على درجة عالية من الأهمية، فالمجلة الرصينة لم تعتد أن تلقي كلامها أو توقعاتها جزافاً، ولذا فإن ما قالته من الضروري أن يكون له ما يدعو إليه وإن كان بشكل غير معلن.
يقول التنبؤ أن على نائب الرئيس الأميركي ماك بينيس تحضير نفسه لقيادة البلاد إذا ما قامت هيئة المحلفين بطلب ترامب للمثول بين يديها، ومن المؤكد أن قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية الأخيرة قد اتخذت طابعاً جديداً منذ أن أعلن كبير القضاة روبرت موللر عن أنه قام بتأسيس هيئة عليا للمحلفين للنظر فيها، بل ذهب إلى حدود القول إن تلك الهيئة كانت قد وجهت مذكرات استدعاء لنجل ترامب الأكبر على خلفية لقائه في حزيران 2016 مع محامية روسية قيل إنها كانت قد وعدته بتقديم معلومات مهمة وخطيرة تسيء إلى خصم أبيه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وهي من شأنها أن تعدل في ميزان الشارع قبيل أن يحسم الأمر في 8 تشرين الثاني 2016.
ترتبط دعوة «فورين بوليسي» لنائب الرئيس لتحضير نفسه بأحد ثلاثة مآلات مفترضة يمكن أن تنتهي القضية إلى واحدة منها بعدما أضحت جناية لا جنحة يمكن غض النظر عنها، الأولى هي محاكمة دونالد ترامب التي ستنتهي حكما بإقالته، والثانية هي الطعن في أهليته للسلطة، أما الثالثة بأن يقوم هذا الأخير بتقديم استقالته، والسؤال الأبرز الآن هو: هل أضحى أحد تلك المآلات حتمية من غير الممكن تلافيها؟
في النصف الثاني من المشهد تقول بيانات الحكومة الأميركية للوظائف إن هناك زيادة 209 آلاف وظيفة، وفق البيانات المعلن عنها في 5 حزيران الماضي، وهو رقم أعلى بكثير من التوقعات، ثم تشير إلى أن البطالة في أميركا قد تراجعت إلى مادون 3,4 بالمئة وهو رقم قياسي أيضاً، وفي نصف المشهد الأميركي الثاني تقول خريطة التوازنات الداخلية إن القاعدة الداعمة لترامب، وهي في أغلبيتها من العمال والشغيلة، لا تزال تؤيده بنسبة 65 إلى 70 بالمئة، ولجميع ما سبق حساباته الهامة، لكن الأهم هو أن تلك البيانات ستكون في صلب ذهنية صانع القرار للجبهة المناهضة لترامب أو التي تعمل على إسقاطه، ومن غير المتوقع أن تقوم هذي الأخيرة بقفزة «اللاعودة» طالما بقيت تلك القاعدة بذلك الاتساع، وللأمر تداعياته الخطرة، فإسقاط رئيس حتى ولو كان ذلك بالطرق الدستورية، ليس نزهة ولا هو جرح بسيط يسهل التعامل معه، ولذا فإن العمل في المرحلة اللاحقة سوف ينصب على محاولات تقليصها بما يسمح بالقيام بتلك القفزة، وهو ما بدأ فعليا فبتنا نسمع بأن ترامب لا يقبل الانتقاد من أي أحد، وهو ما يتناقض مع جوهر النظام الأميركي الحر، أو نسمع بأن الأخير قد قام باختراق القاعدة التي أرساها سلفه جون كينيدي والتي تقول بعدم جواز أن يعين الرئيس أقاربه في مناصب مهمة، وهو ما فعله ترامب عبر تعيين ابنته إيفانكا وصهره غاريد كوشنر، أو نسمع بأن على ترامب أن يصبح أكثر انضباطا أو أكثر «رئاسية» مما هو عليه الآن، والسلسلة تطول ولسوف تطول أكثر، لكن على الرغم من ذلك لا يبدو أن تأثيرات ما سبق هامة أو فاعلة كثيراً، فترامب لايزال حتى اللحظة ذلك الرئيس الذي يأسر قلوب الملايين من الذين انتخبوه إن لم تكن دائرتهم قد اتسعت مؤخراً.
إن ترامب وصل إلى سدة السلطة في واشنطن على رأس حملة شعبوية تطلق في الهواء وعوداً وشعارات لا يمكن تحقيقها والجميع يدرك ذلك، سواء كان الناخب أو المنتخب، وهذا مؤشر خطير يغوص عميقاً في الذات الجماعية الأميركية التي وصلت كما يبدو إلى حالة قصوى من اليأس تجعلها تريد رئيسا «بياعاً للأمل» لا رئيساً يضع الحقائق السوداء أمام الجميع.
في مطلق الأحوال، إن السيناريوهات المفترضة تحتاج إلى وقت طويل، ومن المتوقع أن تتالى تأثيرات «القرابين» السعودية المقدمة في أيار الماضي، بما يوسع أرقام البيانات الحكومية سابقة الذكر، وخلال ذلك المسار سيكون الكباش على أشده ما بين الموالين والمعارضين، مما يعني ترهلاً في ممارسة الإدارة الأميركية لمهامها، وبمعنى آخر ضعف إمساك دونالد ترامب بالسلطة ما يشكل فرصة مواتية لبروز «كيسنجر آخر» مع الاختلاف الكبير في قدرات هذا الأخير مع نظيرتها لدى ريكس تليرسون، ولذا فلربما تكون الفرصة هنا هي فرصة جنرالات البنتاغون.