مصير المعارضات السورية بين التبعية والمسألة الوطنية

| بسام أبو عبد الله 

قصة المعارضات السورية تحتاج للكثير من البحث والتدقيق والتمحيص، حتى لا نخلط الحابل بالنابل، ونُتهم من هؤلاء بأننا نوزع شهادات بالوطنية، أو بأننا نمتلك مخبراً لتحليل نسبة الوطنية والانتماء الوطني، فنمنح شهادة للبعض ونحجبها عن آخرين، وهذه السردية التي دأب كثير من منظري المعارضات في الخارج على إطلاقها ضدنا وضد كل من يسألهم سؤالاً بسيطاً وبريئاً: من يمولكم أيها السادة، كيف تعيشون في فنادق النجوم الخمسة، ومن أين تنفقون على المظاهر الباذخة التي تعيشون فيها وقد أصبح يعرفها القاصي والداني وانفضحت وثائقها وأدلتها وشيكاتها في كل مكان؟!
القضية ليست في توزيع الشهادات بالوطنية، لأن الأمر لا يحتاج لشهادات وإنما لممارسات على أرض الواقع، وسلوك نلمسه ونحسه ونشعر به أنه بيننا، يُعزي بالشهداء ويداوي الجرحى ويبلسم آلام السوريين في كل مكان، ويعيش انقطاع الكهرباء والمياه وتهديدات القذائف اليومية من «مدعي الثورة» المزعومين بكل أشكالهم وتسمياتهم الإسلامية منها والديمقراطية.
في حالة، كالحالة السورية، لا إمكانية لأنصاف الحلول والرمادية في الموقف، فعندما يذبح الوطن ويأتيه القتلة من كل حدب وصوب، من الصعب جداً علي وعلى الكثيرين ممن ضحوا وقدموا فلذات أكبادهم بكبرياء وعزة وكرامة، أن يتفهموا اعتذارات البعض أو تبريرات البعض الآخر، وكأن القضية كانت قضية كراسي حكم وصراعاً على السلطة، وليست قضية وطن اسمه «سورية» يُدمر فيه كلُّ شيء كلَّ شيء، بحيث لا يبقى له أثر ونفوذ وتأثير وروح تاريخ وحاضر ومستقبل تنفث ترانيمها على العالم أجمع.
المشكلة ليست في عدم قدرة هؤلاء على فهم ما يجري تجاه بلدهم، ذلك أنهم في التحليل يظهرون مهارات فائقة عبر الشاشات، ومن عواصم العالم أجمع، ولكن أياً منهم لا يتجرأ على الحديث من بين أبناء شعبه ومن دمشق، والغريب أن أياً من المعارضات التي فرضتها الأزمة السورية لم يحمل اسم دمشق، إذ ظهر لدينا وفقاً للتصنيفات الموجودة ثلاث منصات: منصة الرياض نسبة للسعودية، ومنصة القاهرة نسبة لمصر، ومنصة موسكو نسبة لروسيا، وأما معارضات الداخل فلقد عجزنا عن حفظ أسماء أحزابها وشخصياتها، على الرغم من وجود شخصيات محترمة ووطنية بقيت مع شعبها في السراء والضراء، ورفضت الالتحاق بأي من المنصات التي ظهرت في الخارج، ولكنها لا تملك القدرات المالية والشعبية والكاريزماتية للنشاط والعمل على الرأي العام.
إشكالية المعارضات السورية الموجودة في الخارج، أنها معارضات تابعة ومُسيرة وخاضعة لإرادات إقليمية ودولية، ومن ثم ينطبق عليها مصطلح «الأدوات» أكثر من مصطلح «المعارضة» بالمفهوم السياسي والدستوري والقانوني المتعارف عليه عالمياً، إذ لا يمكن لي مثلاُ ولا لملايين السوريين أن يقتنعوا أن رياض حجاب أو رياض نعسان آغا أو مناف طلاس أو جمال سليمان أو جهاد مقدسي وغيرهم الكثير، أنهم معارضون أو يمثلون حيثية في الشارع السوري، أو يحركون جماهير تنتظرهم لمجرد طلتهم البهية على الشاشة، أو ينتظرهم المثقفون لسماع نظرياتهم وتحليلاتهم للواقع وطرق الخروج منه.
ما عرفناه عن هؤلاء وغيرهم كُثر، أسطوانة واحدة لم يراجعوها مرة واحدة، وهي: الأسد ديكتاتور يجب أن يرحل، والنظام يجب أن يسقط، والبعث يجب أن يجري اجتثاثه، وإسرائيل صديق، وإيران عدو، وروسيا محتلة، وتركيا صديقة، والسعودية داعمة لحقوق السوريين وحريصة عليهم، والثوار على الأرض سيحققون المعجزات، والحديث عن الحريات من الرياض والدوحة واسطنبول، وتنظير عن الديمقراطية من الدرعية عاصمة الوهابية، أو عبر قناة «الجزيرة» حيث الإخوان المسلمون، وترهات عن حقوق الإنسان والدستور والفدرلة، وإيمان مطلق بأن الولايات المتحدة وأوروبا والغرب مُغرم بالثورة السورية، ولا ينام ساسة الغرب قبل أن يطمئنوا على السوريين في درعا ودير الزور والرقة وحمص وحماة وريف دمشق.
في بداية الأحداث في سورية كنت أخالُ أن المعارضة تحولت إلى مهنة جديدة كالطبيب والمهندس والفنان والرسام، إذ كان يُطل علينا في اليوم الواحد نماذج وأشكال وموديلات تفرخها الفضائيات المعادية يومياً، حتى إنك لا تكاد تعرف كما نقول بالعامية: «قرعة جده من أين؟» ونظراً لكثافة استخدام هذه الصفة من كل من هب ودب، ومن كل من لا عمل له، ومن كل فاشل وتافه ومرتزق ومريض نفسياً، أستطيع أن أجزم أن كلمة «معارضة» تحولت لدى الرأي العام السوري إلى مرادف للخيانة والعمالة والقذارة والتآمر على الوطن، على الرغم من أنني على قناعة تامة بأنها كلمة نبيلة، ويُفترض أن تكون وطنية ومنتمية لقضايا الوطن والناس والشعب، فالمعارضة إذاً: ليست مهنة من لا مهنة له، وإنما هي حالة سياسية تقوم على أحزاب وقوى وطنية منتمية لقضايا وطنها، ومتمسكة باستقلاله وسيادته ووحدة أراضيه وتدافع عن رؤاها من خلال برامج سياسية واقتصادية واجتماعية هدفها تقدم المجتمع ورقي الدولة وقوتها ودعم مؤسساتها واحترام دستورها وعلمها ورموزها السيادية.
للأسف، تجربة المعارضة السورية كانت النموذج الأسوأ والأكثر عمالة وخسة ووضاعة تجاه وطنها وشعبها، فقد أدارتها أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية وشبكات الجواسيس وقصور أمراء البترودولار، وحولتها إلى نموذج للمسخرة والازدراء والخسة والوضاعة، حتى ليكاد الإنسان يتقيأ عندما يستمع إلى تقلباتها وتحولاتها وبهلوانياتها وتصريحات عناصرها، النارية منها والباردة التي تتغير على وقع البورصات الإقليمية والدولية.
كم كُنا نتمنى أن تنشأ لدينا معارضة سياسية حقيقية وطنية، تعبر عن قضايا الناس، وتتمسك بتراب الوطن ووحدته وتحافظ على مؤسسات الشعب وترفض التدمير، وتشكل رأياً عاماً يؤيدها ويجتمع حولها من أجل سورية أكثر قوة ومناعة ومكانة وعزة وكرامة، وليس من أجل الانخراط في معادلات الصراع الإقليمية والدولية، والتي هي أضعف لاعب فيها، كما تستطيع أن تُقدم برامج سياسية تعكس تراث الشعب السوري وتاريخه ونضالاته ومبادئه، مع برامج اقتصادية واجتماعية تحاجج فيها الحكومة وتنتقدها، وتقدم البدائل الوطنية والمنطقية والقابلة للتطبيق.
أما منطق الردح وإزالة الآخر واستئصاله، فهذا ليس منطق معارضة سياسية، إنما هو منطق الانقلاب على الدستور ومؤسسات الدولة وتدمير البلد، ولهذا تجد هذه المعارضات نفسها الآن في وضع يرثى له، وهي تتناول السيروم السياسي من دون أن يحييها وينعشها ويجعلها قابلة للحياة، فالقوى السياسية التي اعتاشت على التبعية والخنوع لأوامر المشغل، لن تستطيع أن تجد المبررات الكافية والمنطقية، لسرعة تقلبات مواقفها لتتواءم مع متطلبات وشروط المُشغل، وهو ما سوف يزيدها تعرياً وانكشافاً أمام شعبها والعالم.
أعتقد أن مشكلة هذه المعارضة السياسية مستقبلاً لن تكون مع الحكومة التي، لأسباب عديدة قد ترتبط بالتسويات المقبلة، يمكن أن تقبل عودة البعض من هذه النماذج، وإنما المشكلة ستكون مع الشعب السوري الذي لن يغفر لهؤلاء مواقفهم المتخاذلة والمتآمرة على سورية في فترة محنتها وآلامها واستهدافها، وسيدفعون الثمن بصاقاً واحتقاراً في كل مكان يحلون فيه.
وهنا: لا أعتقد أن الحكومة السورية قادرة على توفير كلاب الحراسة لهؤلاء فمن لا يحميه شعبه، ويحضنه ويحظى باحترامه فلا يمكن لأي قوة في العالم أن تحميه.
نصيحتي لهؤلاء أن ابدؤوا بالبحث عن أماكن لصرف أموالكم الحرام التي جمعتموها على حساب وطنكم وشعبكم، ولكن بالتأكيد ليس في سورية، كما أظن وأعتقد!