من دفتر الوطن – حضور الثقافة

| حسن م. يوسف 

سألني أحد رفاق السفر عن أكثر الأشياء إثارة لاهتمامي خلال رحلتنا التي دامت أسبوعاً في إيران زرنا خلاله العاصمة طهران ومدينتي أصفهان وقم. والحق أنني لم أعرف من أين أبدأ لأن إيران ليست ابنة البارحة فهي موطن واحدة من أقدم الحضارات، وهي الدولة الثامنة عشرة من حيث المساحة في العالم إذ تساوي مساحتها بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وألمانيا مجتمعة، كما أن عدد سكانها يشكلون 1 بالمئة من سكان العالم، إذ بلغ عددهم 80 مليوناً في عام 2014، يعيش 70 بالمئة منهم في المدن.
لم أكن أعلم أن اسم «إيران» يعني بالفارسية القديمة «أرض الآريين»، كما لم أكن أعلم أن في إيران أكثر من 110 لغات حية أكثرها انتشاراً هي الفارسية طبعاً! كما لم أكن أعلم أن اسم طهران الذي يلفظ بالفارسة «تِهْرَانْ» يتكون من كلمتين هما (تِهْ) وتعني (تحت) و(ران) وتعني (الأرض المنبسطة) ويقال إن سبب هذه التسمية هو أنها تقع عند أقدام جبال البرز.
لست أنكر أنني انبهرت بجمال المدينة وأنا أطل عليها من فوق برج ميلاد طهران الذي هو أعلى برج في إيران، إذ يبلغ ارتفاعه 435 متراً، وقد تم افتتاحه في عام 2008 وهو يحتوي على مطاعم وفندق خمس نجوم، ويستفاد منه كبرج للاتصالات. كما أثار إعجابي مترو طهران الذي يتكون من ستة خطوط افتتح أطولها أثناء وجودنا في المدينة.
إلا أن أكثر ما أثار اهتمامي هو الحضور الكبير للثقافة في الحياة اليومية للمواطنين الإيرانيين، وربما كان ذلك يرجع لعدم السماح بالفيسبوك والصحون اللاقطة للمحطات الفضائية، ففي مدينة طهران هناك مئة مسرح لا يقل عدد عروضها في اليوم الواحد عن السبعين عرضاً، وقد أتيحت لي الفرصة لحضور الدقائق الأخيرة من عرض المسرح الوطني الذي يقدم منذ نحو شهرين فأدهشني عدم وجود أي كرسي فارغ في الصالة كما أثار اهتمامي تنوع الحضور الذي راح يصفق بحماسة ولعدة دقائق.
كذلك أثار دهشتي وجود خمسة مجمعات سينمائية ضخمة يبلغ مجموع قاعات العروض فيها أربعين صالة وقد توقفت جميعها عن عرض الأفلام التقليدية من قياس 35 مم وكلها تستخدم حالياً أحدث أجهزة العرض والصوت في العالم والتقنية ثلاثية الأبعاد! أما حجز التذاكر فيتم بصورة إلكترونية مئة بالمئة، إذ يحجز المواطن تذكرته ويدفع ثمنها في المنزل عن طريق الإنترنت وعندما يصل إلى المجمع يدخل الرمز الخاص به في كمبيوتر الصالة فيحصل على بطاقة الدخول.
لكن أكثر ما أثار اهتمامي هو الآلات الإلكترونية التي تقوم ببيع الكتب والتي توجد في المسارح وصالات السينما ومختلف المرافق العامة! وهي عبارة عن خزائن تعرض الكتب، وما على من يريد اقتناء نسخة من أي كتاب إلا أن يضع ثمنه في الآلة ويدخل رقم الكتاب عبر لوحة المفاتيح ويتلقاه من السلة المثبتة في أسفل الآلة! (الفكرة برسم وزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب، واتحاد الناشرين السوريين)!
صحيح أن المدن الإيرانية تعاني ككل المدن الكبرى في العالم أزمات المرور وارتفاع نسبة التلوث، إلا أنها تمتاز عن سواها بهدوء سكانها ودماثتهم، فخلال الأسبوع الذي أمضيته في إيران، لم أر أي مشكلة بين الناس في الشارع، كما لم أسمع شخصاً يرفع صوته على آخر سوى مرة واحدة في أصفهان.