من دفتر الوطن – من دمشق

| زياد حيدر 

كان أحد أصدقائنا الأفغانيين يتغنى أمامنا بمساءات كابول لطيفة الرطوبة، وبالسير بجانب محال التجارية بصحبة أصدقائه، بمعاكسة أطياف النساء التي تظهر وتختفي بسرعة، متذكراً كرش الشرطي المتدلي فوق حزام بنطاله، وهو يلاحقهم، وتحديات القفز بالنهر، تحت رقابة الغربان السوداء، ببناطيل مقصوصة لما تحت الركبة.
كانت تلك كابول التي نسمع عنها بنشرات الأخبار، نقطة تلاقي العملاقين السوفييتي والأميركي في حرب ذهب ضحيتها ما يزيد على خمسين آلفا بين قتيل وجريح، ومن ثم تحولها إلى عاصمة الجهاد الإسلامي المتطرف، وارتباط سمعتها بجلافة وظلم ملالي طالبان وأسامة بن لادن، وصولاً لحرب واشنطن الأولى المسماة حرباً على الإرهاب، وهي في حقيقتها محاولة تهذيب ولد ضال، وصولا إلى ما هي عليه الآن من مدينة تحاول النهوض بنفسها مجددا.
تقاتل نساؤها أو بعضهن على الأقل من أجل أبسط حقوقهن، من أجل التعليم وحتى حق رسم حمرة الشفاه خارج البيت، بعد أن كانت المدينة، قبل عقود، تفخر بمستوى تعليم وتحرر على مستوى النساء يفوق مستوى تحرر كل الدول الإسلامية المحيطة بها (كما باكستان) أو ينافسها حينها (كما إيران).
الشوق للمدن يحمله أبناؤها، أينما ذهبوا. يستوقفنا شوق الأفغاني لأفغانستان. شوق الباكستاني لإسلام آباد أو حتى كراتشي، الكيني لقريته في كينيا، والسنغالي للبلدة التي تركها خلفه بعيداً.
سحر الأماكن، عميق وغامض، ولا سيما أماكن الطفولة أو الوعي الثاني، حين تبدأ الأشياء بلبس أسمائها الحقيقية.
ينتقد اللبناني بيروت، ينتقد عجقة السير، الفساد الحكومي، السلاح المتفشي، التوازن السياسي العسكري الهش، لكنه لا يستطيع أن يتنفس في مكان كما في بيروت. يعيش حياته في الغربة، ولكنه لا يجد مثالا لبيروت. البغدادي لا يقل عشقا لعاصمة بلاده عن البيروتي. فنهر دجلة لا يماثله نهر، في العالم، ومقاهيه ومطاعمه ذات سقوف القصب لا يعادلها مطاعم في الدنيا. لذا حين يتحدث الواحد منا عن الشام، ترتفع حواجب وتتقطب أخرى، وعلينا أن نشرح لما في القلب ما فيه.
في الغربة، وفي البلاد الأوروبية لدمشق سمعات وليس سمعة واحدة. فهي مدينة حرب، ونزاع، وصراع وعناد وغيره.
لكن الدمشقي حين يأتي للدفاع عن دمشق، يجيب عن كل الاستفسارات بذات الشغف.
فالحواجز التي تقتطع الطرق، لا تمنعه الوصول إلى مقهاه المميز في أزقة باب شرقي.
والقذائف الصاروخية التي تنزل بين الوقت والآخر، هي لتذكيره بثمن كل لحظة حياة في هذه المدينة، أما غلاء الأسعار، فلا مفر منه، ولكن الرزقة تأتي وتذهب، واليوم يوم والغد يوم آخر.
دمشق الجميلة، التي يتكرر ذكرها كـ «مدينة للياسمين»، هي التي تظهر في كلام الدمشقي، حتى حين يتحدث عن قساوة الحرب. فسرعان ما يتغلب عشقه، فيأتي على ذكر جلسات الصبارة في ساحات المدينة، قبل مجيء الخريف، والهواء الجاف البارد المنعش، والليل القصير، ومحال الأكل الشعبي على أرصفة الشوارع، بانتظار شلل الشبان والصبايا في نهاية سهرتي الخميس، والجمعة.
أسواق الخضر القادمة من كل أنحاء البلاد، اللحامون السريون لكل من الشاميين، حيث يتباهى كل منهم بلحام يخصه بلحمة لا مثيل لها، البوظة العريقة كما المدينة، السوق القديم المكتظ والمصايف المصفوفة على مدخل المدينة الشمالي.
لا يخرج توصيف دمشق عن هذا. يخشى الدمشقي خيانة مدينته، حين الحديث عنها، ويهاب خذلان تاريخه وطفولته، وعشقه الأول ربما وتجواله مع والديه في شوارعها.
حتى لو اتسخت، في وقت ما، ولو أصبحت خطرة في حقبة ما، ولو انطوت على أحزانها في نكبة ما.
تقوم المدينة بتاريخها، بقدرتها على الولادة مجدداً، النهوض، ونفض الغبار وفرد جناحي الرغبة في الاستمرار، بالجموح نحو استعادة الحياة، والدور والوجود، بغداد وبيروت ودمشق وغيرها من مدن تلاقي الغزاة والمدافعين، هي مدن تبقى، ولا تفنى. تتغير ولكن يبقى فيها ما يدل على ماضيها وقصتها.
لكنها أيضاً مدن تقوم بسمعتها التي نحب. تجرنا كلماتنا دوماً نحو تلك اللحظة التي أصبحت فيها المدينة أجمل مدينة في العالم. حيث حصّلنا شهاداتنا. كوّنا أصدقاءنا، قمنا من كبواتنا وتجاوزنا تقصيرنا، حيث التقينا الحبيب، ومشينا معه، بحثنا عن ركن معتم، وحصلنا على القبلة الأولى.