الرئيس الأسد ودمشق يغيران العالم

| عبد المنعم علي عيسى

ما انفكت المحاولات الأميركية تتوالى منذ عقد السبعينيات لإنشاء شرق أوسط جديد، أو كبير لا فرق، تكون إحدى أهم خصائصه هي ضعفه البنيوي الذي يفرض عليه تبعيته للمخفر الغربي المتقدم في المنطقة، لكن ما انفكت أيضاً تلك المحاولات تنتقل من إخفاق إلى إخفاق أكبر.
إذا ما أردنا أن نعرض لتلك المحاولات سريعاً أو لأسباب فشلها فإن نظرة خاطفة تقول إن واشنطن كانت تعمد في محاولاتها إلى معاندة حقائق الجغرافيا والتاريخ، بل إلى محاولة إثبات خلط المعطيات التي يفرضها جيوبوليتيك المنطقة وللأمر بالتأكيد دوافع ومرام بعيده نرجو أن تتضح في السطور اللاحقة.
نجحت واشنطن مند مطلع السبعينيات في تعليق مصر، وصولاً إلى إطباق سيطرتها عليها تماماً أواخر ذلك العقد بعد التوقيع على اتفاق كامب ديفيد في أيلول 1979، وفي الغضون تم إشغال دمشق بالحرب الأهلية اللبنانية ما بين عامي 1975-1989، وكانت التصورات الأميركية وتحديدا لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، ترى أن الخروج المصري من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بما يمثله من ثقل تاريخي وجغرافي وبشري، سوف يؤدي تلقائياً إلى تهاوي باقي العواصم العربية كما تفاحة نيوتن، في الحضن الأميركية، إلا أن ذلك لم يحدث، الأمر نفسه كان قد تكرر عندما ذهبت واشنطن إلى إطلاق محاولتها الجديدة من بغداد التي أطبقت سيطرتها عليها في عام 2003، إذ لطالما كانت الرؤيا الأميركية تحتسب أن سقوط هذي الأخيرة سوف يحيل دمشق إلى رماد لا جمر فيه، لنراها تدفع بعد ثلاث سنوات بمخفرها المتقدم نحو إجراء عملية قيصرية لإخراج جنين الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به وزير الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس في الساعات الأولى لانطلاق حرب تموز 2006، حتى إذا جاء الرابع عشر من هذا العام الأخير تبين أن القابلة لم تكن تملك الكفاءة الكافية لإخراج الجنين حياً.
على الرغم من أهمية العاصمتين، سابقتي الذكر، وثقلهما كمركزين حضاريين لكل من وادي النيل وبلاد الرافدين، إلا أن سقوطهما لم يؤد بالضرورة إلى سقوط عاصمة الأمويين أو وقوعها تحت السيطرة الأميركية، لاعتبارات فائقة الخصوصية يمكن لها أن تتضح بالإيماء لاحقاً.
تقول حقائق التاريخ إن سقوط دمشق كان يمثل على الدوام مدخلاً لسقوط القاهرة وبغداد وصولاً إلى باقي عواصم المنطقة، وعندما سقطت بين يدي العثمانيين بعد معركة مرج دابق عام 1516، كانت التالية هي القاهرة بعد أقل من عام وبعد معركة الريدانية عام 1517، تلتها بغداد بعد سبع سنين في عام 1534، في مؤشر يوضح توضع الأسنان في المفتاح المستخدم لقفل المنطقة.
في دور الإياب، تكرر السيناريو نفسه، فقد كان سقوط دمشق بيد الحلفاء عام 1918 كفيلاً بذهاب الباب العالي في الآستانة لتوقيع صكوك الاستسلام دون قيد أو شرط، الأمر الذي فرض بدوره استسلام ألمانيا لتحط الحرب العالمية الأولى رحالها في العام نفسه، على حين إن العكس لم يحدث وسقوط القاهرة عام 1979، وكذلك في عام 1882، وبغداد عام 2003، وكذلك في عام 1917، لم يؤديا إلى سقوط دمشق، ولربما عند هذه الخلاصة التاريخية كانت عقدة النجار الأميركي التي أدت إلى إخفاق «التفصيلة» المزمع استخدامها لأبواب ونوافذ الورشة الشرق أوسطية برمتها.
شكلت المنطقة بغناها وتنوعها الحضاري الضارب بعيداً في جذور التاريخ وتجاربه، هاجساً دائماً للغرب الذي كانت تقاسمه في الكثير من المراحل القطبية العالمية الثانية حتى أنها، أي المنطقة، كادت تنجح في اقتلاع ذاك الغرب من جذوره في بواتييه عام 734 م، وعلى الرغم من الوهن الذي أصاب المنطقة، إلا أن ذلك لم يكن يمثل ضمانة كافيه لهذا الأخير في انحباس التنين الذي ما أن توافرت له مناخات النهوض، إلا واستعاد لياقته سريعاً من جديد، وعليه فقد اتخذ القرار بفصل بلاد الرافدين والشام عن وادي النيل بفاصل جغرافي يتموضع في الرقبة التي تربط الرأس بالجسد، ومن الممكن رصد أولى الأفكار الساعية في هذا الاتجاه إبان حملة نابليون على مصر 1798-1801، ثم تعززت في أعقاب محاولة محمد علي باشا لبناء دوله إقليمية كبرى تمتد إلى عكا وحيفا قبل أن يستطيع التحالف الأوروبي هزيمته وفرض اتفاقية لندن عليه عام 1840 والتي ضمنت لهذا الأخير عودة المارد إلى قمقمه، حتى إذا ما تبدت بواكير النهوض في المنطقة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان وعد بلفور عام 1917 الذي لم يكن وعداً بقيام وطن قومي لليهود بقدر ما كان وعداً بتوريث ذلك الكيان قاعدة مادية اقتصادية وعلمية وتكنولوجية تتفوق على نظيراتها في المنطقة وتشكل ضمانة دائمة بهزيمة شعوبها.
بعيد أقل من شهر على سقوط بغداد زار وزير الخارجية الأميركي كولن باول دمشق، والتقى بالرئيس بشار الأسد في 2 أيار 2003، وعندما عاد إلى واشنطن أعلن: «ما قلته للرئيس الأسد هو أننا سنراقب ونقيس الأداء خلال فترة من الزمن لنرى إذا ما كانت سورية مستعدة الآن للتحرك في اتجاه جديد في ضوء الظروف المستجدة»، بحسب ما كانت جريدة «السفير» اللبنانية قد نشرته حينها.
«التحرك في اتجاه جديد» و«مواكبة الظروف المستجدة» هي عناوين سوف تتكرر لاحقاً بشكل كبير وهي لا تعدو أن تكون عناوين مستترة لقيام الشرق الأوسط الجديد برأس حربة إسرائيلي على الرغم من المتغير الكبير الذي طال الدور الذي يمكن لإسرائيل أن تضطلع به في ذلك المشروع والناجم عن حالة الكسل الوظيفي الذي أصاب أداء هذي الأخيرة وتبدى في العديد من المهام التي أوكلت إليها مؤخراً، كفشلها في حرب تموز عام 2006 وحروب غزة الأربع في 2008-2009-2012-2014، ولم تكد محاولة باول أن تثبت فشلها، حتى جاءت المحاولة الجديدة بلكنة فرنسية هذه المرة، فقد زار مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك دمشق سراً والتقى فيها الرئيس الأسد في تشرين الثاني عام 2003، والمعلومات هنا مستقاة من كتاب سر الرؤساء للكاتب الفرنسي فنسان نوزيل، حاملاً معه طلباً ثلاثياً باسم الرئيس شيراك والمستشار الألماني السابق غيرهارد شرويدر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومفاده أن تقوم دمشق بمبادرة جديدة حيال سلام الشرق الأوسط «الجديد»، حتى إذا ما رفضت تلك المبادرة اندفعت الأمور باتجاه توافق أميركي فرنسي ارتسمت أطره في لقاء النورماندي في 6 حزيران 2004 والذي شكل الرافعة اللازمة لاستصدار القرار 1559 في أيلول 2004.
يقول نوزيل: إن شيراك كان يعتقد أن لبنان هو «كعب آخيل» دمشق، ولو دفعنا بالجيش السوري إلى الخارج اللبناني، فإن النظام في دمشق سوف يسقط، والراجح أن شيراك قد استطاع إقناع الأميركيين بذلك، ولربما عبد الحليم خدام أيضاً، وهو ما عبر عنه في أول ظهور له على قناة «العربية» بعد انشقاقه، وكان لا بد من شرارة، فكانت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005، وكان خروج الجيش السوري في نيسان 2005، إلا أن التقديرات الفرنسية لم تقارب ما جرى، فالنظام في دمشق لم يسقط بل أثبت أنه ظهير قوي لحليفه حزب اللـه في تصديه لعدوان تموز عام 2006، حتى أن العديد من التقارير الغربية كانت قد ذكرت آنذاك أن الجيش السوري كان قد رفع سقف الجاهزية إلى الدرجة التي كان ينتظر فيها صدور قرار بدخول الحرب في أوائل شهر آب حتى آخر أيام الحرب، كما كان أيضاً سنداً قوياً للمقاومة الإسلامية في غزة في حروبها الأربع سابقة الذكر.
مرة أخرى ستعود الكرة من جديد مع اندلاع الاحتجاجات السورية في آذار 2011 في محاولة لتعليق العربة السورية بقطار الشرق الأوسط الكبير، الذي تعطل، كما يبدو، في محطة انطلاقته، لتستمر عمليات إصلاحه على مدار السنوات الأربع التالية قبيل أن يتم الإعلان، من الفريق المختص، بضرورة عودته إلى المصدر لوجود خلل غير معروف الأسباب، ولم تكن حظوظ المحاولة الأخيرة بأفضل من شقيقاتها السابقات حيث سيعلن دونالد ترامب مع دخوله البيت الأبيض في كانون الثاني الماضي أن شرط رحيل الأسد ليس مهماً لواشنطن، فيجيبه «عازف التشيللو» الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن هذا الأمر هو شأن سوري داخلي وذلك في حزيران المنصرم. في مؤشر إلى سعي الأخير إلى تجاوز المايسترو حتى ولو أدى الأمر، وقد أدى، إلى نشاز غير مستحب.
هل استطعنا عبر هذا السرد المكثف أن نرصد حجم المرار المتراكم في الحلقين الأميركي والفرنسي، في الوقت الذي كان يجب فيه على الفم تجرع كأس السم السوري «بيده لا بيد عمرو».
صمود دمشق ورسوخ نظامها سيكونان المدخل إلى النظام الدولي الجديد، لا الشرق الأوسط الجديد، الذي سيكثر الحديث عنه في الأيام المقبلة، فقد باتت ولادته منتظرة في دمشق تماماً كما كانت يالطا شباط 1945 وإحداث ناغورني كرباخ 1989.