الغرب يقر بالإخفاق: الرئيس الأسد أقوى مما نرغب

| الوطن – وكالات

في إقرار بفشل سياساتها خلال السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية، نبهت الدول الغربية إلى تزايد قوة الحكومة السورية، في حين واصلت بعضها تعديل سياساتها تجاه الشرق الأوسط لتتناسب مع الوضع الراهن، حيث تميل الكفة لصالح سورية وروسيا وإيران بعيداً عن الولايات المتحدة.
وجاءت أقوى الاعترافات إلى الآن بفشل المشروع الغربي، من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أقرت أمس بشكل لا لبس فيه، بـ«تنامي» قوة الرئيس بشار الأسد في بلاده، مشيرةً إلى أن ذلك «لا يروق للغرب».
وقالت ميركل أثناء مؤتمر صحفي سنوي عقدته في العاصمة الألمانية برلين: إن «(الرئيس) الأسد أقوى مما أرغب»، لكنها أصرت على التمسك بما كانت الدول الغربية تنادي به في الماضي، معتبرةً أن تزايد قوة الحكومة السورية التي وصفتها بـ«الواقعة» لا تلغي ضرورة تحقيق الانتقال السياسي في البلاد، معتبرةً أنه قد يسهم في تحقيق المصالحة داخل البلاد، وحذرت من أن المفاوضات بهذا الشأن تتقدم ببطء.
وبدوره واصل الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون استدارته عن نهج سلفه فرنسوا هولاند حيال المنطقة، والذي فضل الاصطفاف خلف السعودية والولايات المتحدة في مواجهة إيران، تركيا وروسيا. ولأول مرة يصدر عن رئيس فرنسي في العقدين الماضيين تأكيد علني أن بلاده تريد انتهاج سياسة حياد ما بين الرياض وطهران.
واستغل ماكرون المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه، ليكون منبراً لإطلاق أول خطاب متكامل له في السياسة الدولية وعدد من المبادرات حيال سورية والإرهاب وفلسطين، كاشفاً من خلالها عن التغيير الذي أدخله على السياسة الفرنسية، إذ اعتبر أن لدى فرنسا هدفاً مشتركاً مع إيران وتركيا وروسيا يتمثل في «دحر داعش، ووضع خط أحمر حول استخدام السلاح الكيميائي، وتأمين المساعدات للمناطق المحاصرة» في سورية، مشيراً بذلك إلى المناطق التي يوجد بها مسلحون مدعومون من الغرب.
وبعد سنوات من دعم باريس لسياسة تعديل الوضع القائم في سورية عبر الضغوط الاقتصادية وتسليح الميليشيات المسلحة، كشف ماكرون عن عودة فرنسا إلى دعم الأمن والاستقرار في كل من سورية والعراق، ووصف ذلك بـ«الضرورة الحيوية بالنسبة لفرنسا»، لكنه سعى للحد من تنازلاته على الأقل بالعلن، عندما أضاف قائلاً: «نريد أن ينتصر السلام في سورية، وتبدأ مرحلة سياسية انتقالية».
وبالنسبة لماكرون باتت الأولوية الفرنسية في مكان مختلف الآن. وأكد أن أولى أولويات الدبلوماسية الفرنسية ستكون مكافحة ما سماه «الإرهاب الإسلامي»، معلناً في ذات الوقت عن تنظيم مؤتمر لـ«التعبئة ضد تمويل الإرهاب» مطلع العام المقبل في باريس. وأوضح أن «ضمان أمن مواطنينا يجعل من مكافحة الإرهاب الإسلامي أولى أولوياتنا»، مستدركا: «الطوباوية غير مطروحة، ولا الخوف من الإسلام الذي لا يميز بين مسلم وإسلامي».
وأضاف: إن «اجتثاث الإرهاب يمر أيضاً عبر تجفيف مصادر تمويله»، مؤكداً عزمه على «التوصل إلى الشفافية حول كل القوى الممولة للإرهاب»، في إشارة قد لا تعجب دول الخليج العربي وبالأخص قطر والسعودية.
وأوضح، أن وزير الخارجية الفرنسي سيطلق اقتراحًا بخلق «مجموعة تواصل حول سورية» خلال دورة الجمعية العمومية المقبلة للأمم المتحدة المقبلة والتي تنطلق يوم الثلاثاء الثالث من شهر أيلول. وأشار إلى أن اللاعبين الرئيسيين سيدعون إلى هذا الاجتماع. ويبدو أن إيجاد هذه المجموعة وكأنها محاولة فرنسية لاستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية حول سورية بعد أن استبعدت عن الطاولة الروسية الأميركية في عمان، والطاولة الروسية الإيرانية التركية في أستانا، وبعد أن تجمدت عملية جنيف التي تدعمها الدول الأوروبية بكل قواها.
وكان كبار المسؤولين الفرنسيين قد زاروا طهران سراً وعلانيةً للبحث في إمكانية مشاركة إيران بهكذا مجموعة. وأعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن ترحيبه بأي مبادرة فرنسية في هذا الصدد، إلا أن موقفاً روسياً واضحاً حيال هذه النقطة لم يصدر حتى الآن.
وعلى الأرجح أن تقود ولادة هكذا مجموعة إلى تخفيض سقف مطالب المعارضة مجدداً خصوصاً بعد أن تراجع داعموها عن بيان جنيف إلى بياني فيينا وما تمخض عنه من «المجموعة الدولية لدعم سورية»، ولاحقاً ولادة القرار الدولي 2254، وأخيراً عملية أستانا. وتوقفت اجتماعات المجموعة الدولية لدعم سورية عملياً منذ أشهر طويلة.
كما كشف الرئيس الفرنسي عن تحقيق «نتائج معينة» في سياق التعاون مع روسيا بشأن الحد من استخدام الكيميائي في سورية، من دون أن يبين طبيعة هذه النتائج أو هذا التعاون.
من جهة أخرى، تطرق ماكرون إلى الأزمة في الخليج ما بين السعودية وحلفائها من جهة وقطر وداعميها في كل من إيران وتركيا، وشدد على أن «الحوار يجب أن يتواصل بحثاً عن حل للأزمة الخليجية (..) يجب الحفاظ على استقرار المنطقة لتفادي نزاع جديد في الشرق الأوسط»، معتبراً أن التوتر والمنافسة بين السعودية وإيران هو أحد أسباب اندلاع الأزمة الخليجية.
وفي تراجع عن دبلوماسية هولاند، شدد ماكرون ضرورة «عدم اختيار معسكرنا» ما بين السعودية وإيران، القوتين الكبريين المتخاصمتين في الشرق الأوسط، وقال: «لن نبلغ هدفنا إلا بشرط ألا ندخل في هذه التفسيرات ونحبس أنفسنا في معسكر. البعض حسم خياره، وهذا خطأ» في إشارة مبطنة إلى هولاند، وختم بالقول: إن «قوة دبلوماسيتنا هي أنها تتحدث إلى الجميع».
وفي الجهة المواجهة من المحيط الأطلسي، حذر السفير الأميركي السابق في سورية روبرت فورد مجدداً ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية من ارتكاب خطأ، إذا ظنوا أن الولايات المتحدة ستهب لنجدتهم، ونبههم إلى مخاطر حدوث صدام مسلح مع قوات الجيش العربي السوري وحلفائه من الإيرانيين.
وتوقع فورد، عراب ما يعرف بـ«الثورة السورية»، أن تتعرض «حماية الشعب» المتحالفة الآن مع قوات التحالف الدولي ضد داعش الذي تقوده واشنطن، لـ«مأزق صعب» بعد طرد داعش من الرقة ودير الزور، يتمثل في هجوم الجيش السوري لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة هذه الميليشيا إلى الدولة.
ولفت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيكون سعيداً بهجوم الجيش السوري.