الرئيسية | الأولى | مابعد دير الزور: المواجهة المباشرة

مابعد دير الزور: المواجهة المباشرة

| بيروت – محمد عبيد

أسقطت كفة الميدان العسكري التي رجحت تكريس انتصار الجيش العربي السوري وحلفائه الإقليميين والدوليين، معادلة السباق بينه وبين الحل السياسي، إضافة إلى أنها ستفرض معايير جديدة لأي تسوية محتملة للحرب المفروضة على سورية.
حاولت الولايات المتحدة الأميركية منذ اليوم الأول الذي اصطدمت فيه بصمود الدولة السورية واستحالة إسقاط النظام فيها، الانتقال إلى تطويع هذا النظام سياسياً من خلال تقييده بشروط تُمَكِنُها وأتباعها الإقليميين من تعويض الفشل العسكري السريع بآليات سياسية منمقة توصل إلى الأهداف ذاتها.
لذا وطبقاً للوصفة التقليدية التي اعتمدت مع دول عربية أخرى وأدت إلى إسقاط أنظمتها ومؤسساتها التي ترتكز على مبدأ واحد: الانتقال السياسي، سعت واشنطن ومعها عواصم أتباعها من خلال جامعة الدول العربية كذلك عبر تجمعات مفبركة في عواصم دولية أخرى، إلى تكريس هذا المبدأ واعتباره أساساً لأي تسوية سياسية، كما أنه مُنطَلَقٌ لاستجماع تحالف دولي لمحاربة الإرهاب صعب التحقق في حال بقاء النظام القائم في سورية.
إذاً كانت المعادلة المتوخاة من خلال تلك التحركات والاجتماعات كافة: القبول بالمرحلة الانتقالية كآلية لتسليم السلطة مقابل وقف الحرب على سورية، في وقت كانت فيه هذه الحرب قد بلغت ذروتها العدوانية من خلال استقدام مرتزقة الإرهاب العالمي عبر خط سير دولي إقليمي كذلك السيطرة على معظم المنافذ الحدودية التي تربط سورية بالدول المحيطة بها شقيقة كانت أم عدوة، ناهيك عن الماكينة الإعلامية الدعائية الضخمة والمتخصصة بفبركة الأكاذيب وصناعة الأفلام والترويج لإشاعات طائفية ومذهبية.
لم يكن أمام الدولة السورية من خيارات كثيرة سوى الصمود والمناورة، الصمود المؤسساتي الذي يحفظ تماسك الدولة ويمنع اختراقها وبالتالي إحداث انشقاقات فيها ومنها، وبالأخص على الصعيدين العسكري والأمني بما يسمح بتثبيت مفاصل أساسية تبقي حضور الدولة وهيبتها بمأمن، والمناورة السياسية والدبلوماسية التي تسمح بكسب الكثير من الوقت لإنضاج تحالفات تعزز الصمود المؤسساتي والميداني وتوفر عوامل الانتقال إلى الهجوم على الصعد كافة.
يمكن القول اليوم إن إستراتيجية الصمود والمناورة التي اعتمدها الرئيس بشار الأسد ومعه القيادة السورية خلال السنوات الأولى من إطلاق الحرب على سورية، نجحت في جذب الحلفاء والأصدقاء إلى المشاركة في التصدي لهذه الحرب وإسقاط مفاعيلها ليس على سورية وحدها وإنما على المنطقة والعالم وبالأخص على هؤلاء الحلفاء والأصدقاء الذين كانوا الهدف اللاحق لواشنطن وأتباعها في أوروبا والخليج ومعهم تركيا.
إن هذه الإستراتيجية استنزفت محاولات الأطراف المعادية تثبيت مجموعة مسلمات سياسية وفقاً لم سُميَّ «جنيف1» إضافة إلى منع «شرعنة» حضور المجموعات الإرهابية أو ما تم تعريفه بالمجموعات «المسلحة المعتدلة» كطرف شريك من موقع الند للند على طاولة التفاوض غير المباشر أو في الميدان العسكري.
من هذا المنطلق، يُعتبر «جنيف1» بحكم الساقط كسندٍ لما تبعه من نتائج لقاءات جنيف اللاحقة التي لم تثمر سياسياً أو عسكرياً أو حتى أمنياً كما هو حال لقاءات أستانا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة خروج الدولة السورية من مسار الحوار السياسي، إنما بالتأكيد سيسمح بتوسيع هامش المناورة لدى الوفد الحكومي المفاوض إلى حدود تبادل الأدوار طبقاً لتغيير موازين القوى وبالتالي إعطاء فرصة لوفود منصات موسكو والقاهرة والرياض للانتقال السياسي والتسليم بسقوط المشروع والسعي للانضمام إلى منصة سورية الدولة.
من جهة أخرى، من المفترض أن تعقد جلسات جديدة في أستانا خلال شهر أيلول الجاري لاستكمال مسار تعزيز الأوضاع في مناطق خفض التصعيد المتفق عليها، ومن الطبيعي أن تخيم مناخات الانتصارات النوعية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على هذه الجلسات، علّ ذلك يُسهِم في اختصار المهل الزمنية للبدء بالتفاهم على تسويات تُعجِل بإجراء المصالحات التي تضمن عودة هذه المناطق إلى كنف الدولة وفق آلية تدريجية طبقاً لخصوصية كُلٍ منها.
قبل وخلال وبعد تحرير مدينة حلب قال الرئيس الأسد: «إن ما بعد حلب ليس كما قبلها»، وقد ثَبُتَ صحة هذا القول، واليوم يمكن القول: إن ما بعد دير الزور لا يمكن أن يكون كما قبلها، لأننا صرنا في موقع المواجهة المباشرة مع الراعي الأساسي لمشروع إسقاط سورية: الولايات المتحدة الأميركية، وهو التحدي الأبرز الذي سيخوضه محور المقاومة ومن ضمنه العراق ومعه الحليف الروسي.