من دفتر الوطن – قلة أدب..

| وضاح عبد ربه

في الماضي من الزمن، حين كان يريد أحد أن يشتم آخر، فيقول عنه وبصوت خافت: قليل أدب، وكانت صفة كفيلة بأن تعري المشتوم وتفضحه في مجتمعه.
اليوم، ومع تطورات التكنولوجيا باتت قلة الأدب صفة منتشرة بكثافة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وباتت الشتائم علنية وبلا خجل وبلا أي أدب، وبات بإمكان أي سافل (صفة وليست شتيمة) أن ينال من قامة وطنية من دون أي رادع أو محاسبة، وسط انهيار شبه تام في أخلاق المجتمع السوري، وربما غير السوري، فرضته هذه «الحرية» بالنشر والتعدي على الأشخاص وعلى القامات وحتى على الدول.
في الصحافة، لا يحق لأي ناشر أن يشتم أحداً، ولا يحق له، حتى في زاوية رأي، أن ينال من هيبة أي دولة صديقة أو قامة وطنية أو حزب سياسي أو أي شخص يتمتع بكامل حقوقه الوطنية، يحق له فقط النقد لكن بتهذيب وأدب، وكل ما دون ذلك يعاقب عليه قانون المطبوعات ليس في سورية فحسب، بل في كل دول العالم المتخلف والمتحضر.
لكن واقع الحال ليس كذلك في مواقع التواصل الاجتماعي. ففي تصفح سريع لموقع الفيسبوك، بإمكان المتصفح أن يقرأ كل أنواع الشتائم، وهناك صفحات متخصصة ومنها مأجورة هدفها شتم فلان أو آخر وفقاً لما تقتضيه مصلحة مدير الصفحة.. هناك روايات وأحداث مختلفة تنشر على أنها واقعية، وتبدأ من تحتها التعليقات (منها متفق عليه مسبقاً) لتثبت الرواية وتشتم أبطالها مستخدمة كل ألفاظ الشتيمة المتوافرة في معجم اللغة العربية واللغة السوقية، وتعبر بشكل واضح عن قلة أدب الناشر أولاً والمعلق ثانياً، وعن حقارة وسفالة الاثنين معاً.
في سورية، كما في كل دول العالم، هناك قانون يسمى قانون الجرائم الإلكترونية، موجود لكنه ليس فعَّالاً كما يجب لأن الناس وببساطة، لا تريد أن تنخرط في سجال قضائي قد يطول فترة من الزمن قبل أن يدين الشاتم ويعوّض المشتوم.
وتوجهت ذات يوم بسؤال للسيد وزير الداخلية عن الإجراءات المتبعة في حال حصول جريمة إلكترونية، فأكد لي أن الوزارة على أهبة الاستعداد لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمعاقبة كل مسيء، لكن عدد الشكاوى منخفض جداً وقلة من يتقدمون ببلاغ لتتم معالجته، وربما نحتاج هنا إلى محاكم مختصة في الجريمة الإلكترونية تبت في حكمها بسرعة وفاعلية بحيث تحدد قلة الأدب وقلة الأخلاق السائدين على الشبكة العنكبوتية، وتحفظ لكل ذي حق حقه وتعوضه عن الضرر الذي أصابه وبشكل رادع بحيث لا تتكرر الجريمة ولا يتكرر التشهير.
في دردشة مع العديد من الأصدقاء حول ما يحصل على مواقع التواصل الاجتماعي، هناك أغلبية تعتقد أن ما يحصل من ضرر نتيجة نشر شتيمة أو قصة ملفقة أو مختلقة يصعب إصلاحه، حتى لو حصل على حكم قضائي مبرم يجرّم من ألحق به الضرر، لذلك هناك عدد كبير من المتضررين يلزمون الصمت أو يدافعون عن أنفسهم بالطريقة ذاتها (شتم الآخر) ولا يلجؤون إلى القضاء للحصول على حقوقهم، الأمر الذي أدخلنا في دوامة من قلة الأدب باتت تسيطر على الفيسبوك وتجعل من رواده متابعين صامتين لهذا الكم من الشتائم وكأنها ثقافة يجب أن نستسلم لها في حين أنها غريبة على السوريين وليست من شيمهم.
والحل لوضع حد لهذا الانهيار هو تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية وتخصيص محاكم تبت بالسرعة القصوى على الشكاوى والدعوات القضائية وتكون رادعاً لكل من تسول له نفسه التشهير أو الشتم أو المساس بحرية الأفراد التي يكفلها القانون.
فحرية الفرد تتوقف عند حرية الآخرين، ولا يجوز للفيسبوك وسواه أن يكونوا منبراً لأي سافل ليتعدى على حرية الآخرين، وربما بتنا بحاجة أيضاً لقانون يضع حداً للمزايدين والانتهازيين وكل من يتاجر بدماء شهداء سورية ويتغنى بالوطنية لغايات معروفة تكسبه شهرة أو مالاً، فهؤلاء هم قمة السفالة.
وكي لا يساء الفهم من هذه الزاوية، وأنها دعوة لتضييق الخناق على الحريات العامة، فربما من الضروري التأكيد على أني من أشد المدافعين عن هذه الحريات وتحديداً حرية التعبير والرأي، لكنني بكل تأكيد أرفض وبشكل قاطع أي اعتداء، صحفياً كان، أو لفظياً على أي مواطن سوري أو دولة أو كيان دعم سورية، وأرفض رفضاً قاطعاً التعدي على القامات الوطنية التي تقاتل في محافل دولية من أجل الدفاع عن سوريتنا من أي شخص كان.