الرئيسية | الصفحة الأخيرة | من دفتر الوطن – ذهب أيلول!

من دفتر الوطن – ذهب أيلول!

| عصام داري 

يعود شهر أيلول حاملاً ذكريات حلوة ومرة و«كمشة» أغان وأمثال تثير الحنين إلى زمن كانت الفصول «غير»، والحياة غير، وأيلول يرشنا بمطر كالرذاذ، يعلن انتهاء جبروت الطبيعة القاسية، وسياط لهب الصيف ترسلها الشمس التي تجلد أهل الأرض عقاباً لهم على عصيان تعاليم السماء.
في واجهة ذكرياتي أغنية إيطالية وأخرى رحبانية، فأما الإيطالية فيقول مطلعها «الحزن في أيلول» وأما الرحبانية فهي أكثر رومانسية، فتنشد فيروز بصوتها العذب القادم من كوكب آخر «ورقو الأصفر شهر أيلول، تحت الشبابيك ذكرني ورقو دهب مشغول ذكرني فيك».
عالم أيلول الساحر ينقلنا بين حزن قديم، وفرح عابر لحدود الذكريات العتيقة التي صارت صفراء بلون ورق الشجر، فتخبو ذكرياتنا حيناً، وتحبو حيناً آخر، تعيدنا إلى زمن كان فيه الهواء أنقى، والناس أرقى، والحب أحلى.
تهزني أغنية المطرب الإيطالي ببين ودي كابري التي ذكرتها آنفاً لما فيها من أحاسيس تعبر عن حزننا الذي يتفجر في أيلول، فنذكر «أيلول الأسود» وفي تاريخنا أكثر من أيلول أسود، صارت سنوات عديدة بلون الكحل وظلمة ليل اغتالوا قمرها.
ويهزني نزار قباني وهو يصنع من حروف الأبجدية نصباً تذكارية وتماثيل للحب والعشاق تخليداً لأرقى مشاعر عرفها الإنسان وكانت حكراً له، يقول:
الشعر يأتي دائماً
مع المطر
ووجهك الجميل يأتي دائماً
مع المطر
والحب لا يبدأ إلا عندما
تبدأ موسيقا المطر..
إذا أتى أيلول يا حبيبتي
أسأل عن عينيك كل غيمة
كأن حبي لك
مربوط بتوقيت المطر
ولشهر أيلول نصيب في شعر إيليا أبي ماضي فقد أبدع حين قال:
الحُسنُ حَولَك في الوِهاد وَفي الذُرا
فَانظُر أَلَستَ تَرى الجَمالَ كَما أَرى
أَيلولُ يَمشي في الحُقول وَفي الرُبا
وَالأَرضُ في أيلول أحسن مَنظَرا
هذا الـ«أيلول»، ألم يشبع حزناً.. فرحاً.. أوراقاً بلون الذهب تذروها رياح الصباح، وتلقي بها في زوايا الأزقة والحارات العتيقة لتروي قصة عشق صامتة، ألم يشبع حنيناً إلى ربيع وهو في رحلته الأبدية نحو شتاء وأمطار وثلوج؟.
أيلول محطة إجبارية بين جنون الصيف ورزانة الشتاء، ورحلة في بساتين في الوقت الذي قررت الأشجار تغيير ردائها، فتعرت كي تظهر جمالاً مختلفاً وساحراً، قبل أن تكسوها الثلوج الآتية من بعيد، بانتظار ربيع جديد، ودورة حياة جديدة لا تتوقف على طول الزمن.
متعة أيلول لا تضاهيها متعة، وكما قال إيليا أبو ماضي:
لِلَّهِ مِن أيلول شَهرٍ ساحِرٍ
سَبَقَ الشُهور وَإِن أَتى مُتَأَخِّرا
هل يحق لنا أن نقول: كل أيلول وأنتم بخير؟ أو تأملوا في جمال تعري الأشجار، وهبات النسائم، وترقبوا أول حبة مطر تجود بها السحب في أواخر أيلول؟
لكم القرار، ولي حرية الاختيار والغوص في بحر من الحلم مع شهر يجود بالأحلام.