أنقرة ومفارق المستقبل الصعب

| تحسين الحلبي

يبدو أن قاسماً مشتركاً بدأ يجمع عدداً من الدول المجاورة التي شاركت بأشكال مختلفة في الحرب على سورية في السنوات الست الماضية، فالكثيرون يلاحظون أن تركيا تحت سلطة الرئيس رجب طيب أردوغان زادت مشاكلها وزاد عدد خصومها وقل المتحالفون معها، على حين أن سورية تمكنت من صد عدد من الدول المعادية، ومن تحييد دول أخرى، ومن كسب صداقة دول، ومن تمتين تحالفاتها مع دول إقليمية وكبرى.
هذه المقارنة تبرز انتصاراً لسورية من ناحية أولى، وهزيمة من الناحية الأخرى لعدد من الدول التي استهدفتها، ولم تستطع في النهاية المحافظة على وضعها، فبالمقارنة بين عام 2010 وعام 2017 يجد المراقبون والمختصون في الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، أن سياسة التدخل التركي في سورية لم تحصد سوى خسائر كبيرة لتركيا في العلاقات وفي الاقتصاد وفي طريق المستقبل، فلم تعد أنقرة مرشحة للمشاركة في عضوية الاتحاد الأوروبي، وبلغ تدهور العلاقات بينها وبين ألمانيا درجة غير مسبوقة وصلت إلى ما هو أكبر من الخصومة، ولم يعد حلف الأطلسي الذي تتباهى بعضويتها فيه، يثق بسياسة أردوغان أو يعتمد عليه، وبلغت أزمة علاقاتها بالإدارة الأميركية مرحلة سيئة لم تستطع تجاوزها حتى الآن، على المستوى الإقليمي وتحالفها مع دول الخليج، أصبح جزء من هذا الحلف في حالة خصومة وتناقض معها بسبب الأزمة الحادة بين قطر والسعودية، أما حلم أردوغان بسلطنة إسلامية فلم يعد قابلاً للتداول بعد انكفاء دول إسلامية مثل السعودية وغيرها، في مشاكلها الداخلية وحروبها الخارجية المتهاوية، إضافة إلى التراجع الحاد في مصداقية الإسلاميين من الإخوان إلى غيرهم في الشارع التركي والعربي.
ربما كان الكاتب السياسي التركي سونير تشاغبتاي المختص في الشؤون التركية في معهد الشرق الأوسط والمؤلف لعدد من الكتب كان آخرها عام 2017 باسم «السلطان الجديد»، قد توقع في تحليل نشره قبل عامين مثل هذه النتائج على سياسة أردوغان، وسلط الضوء على ما ولدته من أزمة داخلية لم تعهدها تركيا بمثل هذه الحدة وأهمها أنه «يقسم تركيا ضد بعضها بعضاً» ويزيد من تفاقم الصراع الداخلي منها بأشكال إثنية ومذهبية يزيد تفاقمها أكثر من أي نزاع ويظهر ذلك واضحاً في عدد المعتقلين الهائل من المثقفين والصحفيين وضباط الجيش والقضاة والمحامين، وتحت عنوان: «أردوغان أصبح وحيداً» يتوقع تشاغبتاي أن تفرض هذه الأزمات المركبة داخلية وخارجية، استحقاقات لم يتوقعها أحد في حكومته، ويلاحظ المختصون بالشؤون التركية أن أردوغان لم ينه منذ توليه الحكم في أنقرة أي موضوع حدده في جدول عمله في السياسة الداخلية أو الخارجية وأصبح عاجزاً عن استكمال أي هدف أعلن عنه، وهذا ما يجعله يقف في منتصف الطريق في علاقاته مع موسكو ومع طهران ومع دول أخرى يحاول التقرب منها، من دون أن يشطب من علاقاته معها احتمالات التراجع عن سياسة الحياد تجاهها، فكل شيء يعلن عنه يبقى معلقاً وهذا ما جعل أوروبا تغلق باب المفاوضات معه في موضوع الانضمام إلى الاتحاد وهو الذي وقف منذ البداية مع كل من يعادي سورية بدءاً من داعش وانتهاء بالنصرة والمجموعات المسلحة التكفيرية الأخرى، وكأنه كان يحلم بأن تبايعه سلطاناً عليها.
ولذلك يرى تشاغبتاي أن طريق مستقبل تركيا في عهد أردوغان أصبح بعد هذه السنوات الست محفوفاً بالمخاطر التي لا تحمل سوى أسوأ السلبيات على هذا المستقبل، وبالمقابل بدأت سورية تشق طريق الانتصار هي وحلفاؤها في أوسع أشكاله في ميدان الحرب على الإرهاب وأمام تراجع قوى كثيرة وقفت إلى جانب هذا الإرهاب من حدودها المجاورة بأشكال كثيرة.