الرئيسية | ثقافة وفن | خطفَ النصر

خطفَ النصر

| د. نبيل طعمة 

من براثن هزائمهم، لذلك نجدهم يقولون الآن: إنه أقوى مما نرغب، ولم يعد هناك من شروط للرحيل، والندم كبير على قطع العلاقات وسحب السفراء وإغلاق السفارات وتمويل الإرهاب، والسماح بعبور كل إرهابيي العالم للحدود، وتشجيع التطرف بكل أشكاله؛ ديني، سياسي، اجتماعي، والسعي وراء استحضار أسوار الماضي، كلما قرروا الغزو ورميها على مكونات شعب ووطن بغاية تحويله إلى أوطان للكراهية.
تحالفات علنية حملت أوهام تغيير كل شيء، ولّدت مفارقات سياسية واجتماعية وشراكات بنيت من أشراك مفاهيم عجيبة غريبة، ولدت من رحم إرهابهم الذي شيَّدوا له أعتى القلاع، أدواتهم استحضرت من تحالف الأوبئة مع الجهل والتخلف من أولئك فاقدي الحظوظ في الحياة ومالكيها بعد الممات، شكّلت اتحادات بين الفراغ الروحي وفقدان الأهداف والمعاني، القتل لأجل القتل، والتدمير بغاية التدمير، أرادوا من خلال كل ذلك التقدم بضرب بوصلته.
إنه أقوى مما يرغبون، لأنه أكد أن سورية المفيدة للإقليم وللعالم وللسوريين أولاً وأخيراً هي كامل سورية بحدودها الدقيقة، وضمنها المحتل والمسلوخ عنها، ودحر كامل للإرهاب عن ثراها، فهم أرادوا اقتسام سورية، وهو أراد كامل سورية مع الذي وصل بصموده إلى فضاءات القوى العظمى بعد أن أظهرت قيمة وقوة الحق وعلاقة التاريخ بالجغرافيا مع الإنسان الرابطة المدوّنة لأحداثهما، وظهر كظهور الروس على الألمان لحظة أن كسروهم بجليدهم من أسوار موسكو، إلى الانتصار في برلين، وفعل هو كذلك من أسوار دمشق وقاسيونها الرمز، كما هو برج إيفل في باريس التي احتلها الألمان، لكنهم لم يستطيعوا احتلال البرج، ومنه حدث انتصارهم إلى كامل الحدود وما وراءها.
ها هو يثبت للعالم أجمع أنه المرسل الحقيقي للرسائل غرباً وشرقاً، وبشكل خاص لأولئك المهتمين بالبحث عن الحقائق والوقائع ضد أولئك العاملين على تضليلها وإخفائها، أرسل رسائله إلى أولئك المروجين لفقه القتل والتدمير والذبح والجريمة، للمفكرين والعاملين على اتساع الفجوات بين أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة الذين حوّلوا الثقافة التي تخص حدود وطن، إلى ثقافة العولمة؛ أي اللا حدود التي لا تؤمن بالانتماء والبناء العام، إنما لذات الفرد ومكوناته الشخصية، يريدون ثقافة أمة قد خلت، وسياسات لم تمتلك يوماً السياسة، وقد مضت عهوداً ملأها الغبار، وغدت غابرة، فكيف بهم أمام كل هذا يقف رجل الشرق العربي في وجههم مع تحالفاته الواقعية؟ يدعو للتقدم والإعمار والبناء، وأهم من كل ذلك بناء ذاكرة وطن قوية سليمة، لا شوائب متحفزة ومتوثبة دائماً لتقديم الأفضل فيها، صعب لها أن تخدع أو تغزى مرة ثانية، كيف بهم لا يقفون في وجهه ووجه كل ذلك، وبشكل خاص لأنه وجه وطن أُلهم بحضور ثاقب وفكر متميز برؤاه ومفاهيمه التي طرحها مبكراً، التي حملت تأثيراً قوياً من خلال التنويرية العلمية، ولغته الجامعة، ونظراته الثاقبة أخافت وأرعبت الكثيرين في المحيط الداني والبعيد القاصي.
قاوم الهيمنة والتبعية، وقدم ثقافة احترام الآخر من جوهر وطن، حفظ العهود والمواثيق من تاريخه العميق إلى حاضره المشرق، ولكن هل كان هذا فعل الآخر باتجاهه الذي لم يستوعب أننا في وطن يديره قائد مع شعب، استشعر مبكراً أن الأيادي الخفية التي تحرك الأدوات والمتسلقين الذين ندرك تماماً أدوارهم، وأنهم فرزوا أنفسهم بأنفسهم، فتاهوا مع التائهين، ولم يمتلكوا من الحركة سوى متابعة الأحداث سطحياً لا جوهرياً، واستغراب مجريات أمورها وتحولاتها.
لم يدرك الكثرة ممن خرجوا عن إرادة الوطن لعبة الأمم والتوازنات الخارجية والداخلية وجذورها المحلية المزمنة، وأيضاً لم يعوا ذلك التصارع العالمي منذ فترة، ولم ينتهِ حتى اللحظة ضمن مرحلة الاضطراب التي يمر بها الوطن بفعل الموروث الديني العميق وتحديات توظيفه في مقاومة آليات التطور وإنبات منظومة ثقافية حداثوية سالبة، أو غرسها في مختلف جوانب الحياة والتوجيه لبثها في الأجيال الصاعدة من خلال عمليات مبرمجة دقيقة وخبيثة، تكافح الدولة الوطنية بكامل قواها لعدم تحقيقها.
لقد امتلك قائد الوطن بحسِّه الوطني العالي أن ما جرى ويجري ليس فقط على ساحة وطنه الغالي والعزيز على قلبه والمحمول في عقله، ما هي إلا لعبة أحقاد وأطماع وصراع بين الوطنية والتبعية، بين الشموخ والخضوع والخنوع، وأن البرامج الموضوعة لحدث كهذا، خطط لها منذ عقود وصولاً إلى إحداثها، وأمام صبره ودقة توجهاته في إدارة الوقت ومجريات الأحداث التي شرّعَت، فقدت حضورها بحكم عدم قدرة البصر على متابعة تسارع أي حدث، إنما يسكن العقل لتراه البصيرة، ووصوله لتحقيق الإنجازات بعزوم لم يتوقعها حتى أقرب المقربين، نراهم عادوا ليقولوا أقوى مما نرغب، لماذا نسأل مرة ثانية، لأن كامل هذه الدول التي اجتمعت على أمر واحد فقط، واستخدمت واستثمرت كثيراً من قواها المادية والعسكرية، وجيَّشت جميع أدوات الإرهاب وأعتاها خبثاً، لم تستطع تفكيك وحدة سورية، وظهر لكل من حاول، ولمن راقب الفشل الكبير، والآن ومع انحدار آلة الإرهاب نراهم يحاولون فتح بوابات جديدة، ومن جديد عبر إعادة السفارات والإعمار والمصالحة، ما يشير إلى أن خيوط اللعبة قاربت من نهايتها، وهي في يد من يقولون عنه اليوم إنه أقوى مما نرغب، حيث لم يدع لهم خيطاً واحداً يمسكون به، وأنَّ القرار له ولجيشه وشعبه أولاً وأخيراً.
ها هم اليوم يتجهون إلى الاعتراف بأنَّ منطق التوازنات حققه بدقة، ربما في البداية لم تسترعِ انتباه الكثيرين، لكن اليوم لفت الانتباه محدثاً الانشداه والإدهاش، فقد أجاد إخراجها توازنات خارجية، أنجزت ليس قطباً آخر، إنما أقطاب وتوازنات داخلية متميزة، جمعت الكل بلا استثناء إلى الوطن، ومن ثمَّ إليه.
مؤكد أن الآخر لم يدرك أنه طرح كثيراً من الأسئلة التي لم توصله إلى ما يريد، وتعلق بشعارات غير واضحة، وقضايا ليست على محور التطور والتقدم رغم بريقها، إلا أنَّ جوهرها كان تخلفيَّاً رجعياً بدلاً من الاهتمام بالقضايا الحياتية الملحة والأكثر حيوية لمسيرة نجاح وطن، وهذا ما أدى به للوصول إلى الفوضى في التفكير، وأظهر عدمية لأولويات المعرفة، ولو أن الذين انتسبوا إلى الآخر تفكروا، لعرفوا أن كثيراً من الأجوبة كانت موجودة لديه، إلا أنَّ العماء أصابهم، فوقعوا في أشراك الآخر الذي أدرك اليوم أيضاً أنَّ ما يمتلكه كان أقل مما يمتلكه قائد وطن، ليصرخوا بأنه أقوى مما يرغبون، لماذا هو كذلك مرة ثالثة؟ لأنه وحَّد التوافقات السياسية والوطنية، واتجه إلى عموم المجتمع ممهداً السبل لإعادة هيكلية ليس البنى التحتية، وإنما حتى تلك التي أسهمت في إنشاء الأزمة، وعملت على استمرارها، وقوته ظهرت في هيكلية الدولة وما يتفرع عنها، من مركز قوى ومؤسسات على اختلاف وجودها؛ تشريعية وتنفيذية، سياسية أمنية وعسكرية، هذه الهيكلية التي تمتص سريعاً كل ما حلموا أن يصلوا إليه عبر تعزيز تفرقة عرقية وإثنية.
استطاع عبر ست سنين تحمُّل كل تلك الأفكار التي تدحرجت وتغذت من الآخر الذي اعتقد أنه وصل إلى ما يصبو إليه، وفي لحظة تحليل لمجريات ما يحدث من جانبهم، نجدهم يعترفون بأنه أقوى مما يرغبون لكنهم أقروا برغبتهم به.