الرئيسية | الأولى | أستانا: المسار السياسي الممكن

أستانا: المسار السياسي الممكن

| بيروت – محمد عبيد 

يبدو أن التدحرج السريع لتنظيم داعش وجبهة النصرة وباقي المجموعات الإرهابية المرتبطة بهما نحو الهزيمة، أربك رعاتهم الدوليين والإقليميين الذين كانوا يسعون لتثبيت معادلة التلازم بين التطورات الميدانية وبين الاستثمار السياسي، بل إن الإبقاء على هذه المعادلة لم يعد في مصلحة هؤلاء الرعاة بعدما انقلبت موازين القوى العسكرية والسياسية لمصلحة سورية وحلفائها.
فالولايات المتحدة الأميركية التي تأرجحت سياساتها تجاه الأزمة في سورية بين خيار الانكفاء عن التورط المباشر الذي اعتمدته إدارة رئيسها السابق باراك أوباما، وبين خيار التورط المحدود أو بالوساطة، الذي تقوم به إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، لم تتمكن في الحالتين من تحقيق أهدافها الإستراتيجية القائمة على أمرين أساسيين: إسقاط النظام السياسي في الدولة السورية ومعه الجيش الذي يشكل عماد هذه الدولة إضافة إلى المؤسسات الأمنية الفاعلة، ومن ثم تقسيم سورية إلى كانتونات مذهبية وطائفية وعرقية ونهب ثرواتها ومقدراتها والاحتفاظ لنفسها بمساحة حيوية على جانبي الحدود بين العراق وسورية.
وقد وجدت تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان في هذا التأرجح الأميركي فرصة مواتية للتدخل المباشر والنفاذ إلى الداخل السوري مراهنة على قلب النظام واستبداله بأداتها «جماعة الإخوان المسلمين»، استكمالاً للخريطة السياسية التي رسمها أردوغان وحزبه للسيطرة على الدولتين المركزيتين في العالم العربي: سورية ومصر.
إن كان أردوغان قد نجح في تدريب وتجهيز وتسهيل مرور الإرهابيين إلى الأراضي السورية بدعم بشري ولوجستي وتمويل قطري سعودي مشترك، إلا أنه أيضاً كما إدارة واشنطن، أخفق في تثبيت أداته المذكورة كحالة عسكرية سياسية يمكن أن تقود ما يسمى المعارضة السورية «المعتدلة والمسلحة» إلى فرض توازن مع النظام السوري، غير أن الدعم والتمويل القطري السعودي للإرهابيين، لم يمكنهما عملياً من فرض أجندتهما السياسية قبل انفجار الأوضاع السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية بينهما، فكيف بهما بعد هذا الانفجار.
لاشك أن الصراع الخليجي الذي لعبت بعض القيادات الإماراتية دوراً بارزاً في تأجيجه، مضافاً إلى الانشغال بالعدوان الإجرامي على الشعب اليمني، قد أسهم في تراجع اهتمامهم جميعاً بمتابعة الأزمة في سورية، وإن لم ينكفئوا نهائياً وبالأخص منهم الدوحة، أملاً بالاستثمار على ما تبقى مما يسمى معارضات المنصات، لحجز مقعد مريح على طاولة التسوية المفترضة أو تلك التي يُمَنُونَ أنفسهم بأنهم سيكونون من جلساء هذه الطاولة!
من المؤكد أن تسارع الإيقاع العسكري وتحقيق المزيد من الانتصارات وتوسع دائرة تحرير الدولة السورية لأراضيها وبسط سلطتها وضمان سيادتها عليها، كل هذه التحولات ستُعَجِل في طرح السؤال الأعقد والأهم: ما المخرج السياسي لهذه الأزمة ومن سيصوغ آلياته وكيف هو السبيل الأسلم والأسرع للوصول إليه؟
بات من الصعب اليوم الارتكاز على ما تم التوافق حوله كتفاهمات سياسية أو كقرارات بدءاً من جنيف1 وصولاً إلى بعض القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً من جهة اعتماد نصوصها بحرفيتها وليس بروحها من دون الأخذ بالحسبان الحيثيات الميدانية والسياسية التي بنيت عليها هذه التفاهمات والقرارات والأهم التوقيت الذي حكم صدورها، والأكثر أهمية من جهة التوقيت أنها كانت تنظيرات ظرفية وافتراضية لأزمة كانت في طور التفاعل ولم تحصل إثر جلاء الغبار عن ساحة حرب صار واضحاً الآن من هو المهزوم فيها ومن المنتصر، فكيف يمكن أن يُسمَح للمهزوم أن يحصل على ما لم يستطع تحقيقه؟!
قد تكون المعركة الدبلوماسية والسياسية المقبلة والمترتبة على سورية وحلفائها وخصوصاً منهم روسيا، أكثر تعقيداً من المعارك العسكرية والأمنية التي خيضت حتى الآن، فالمحور المهزوم لن يُسَلِمَ بالهزيمة المطلقة، وسيسعى إلى المناورة على أكثر من جبهة، في محاولة لإفراغ هذا الانتصار الكبير الذي صنعته سورية وحلفاؤها من محتواه، ولضمان الوصول إلى صفقة تحفظ مصالحه بحدها الأدنى أو المقبول.
لذلك، تكبُر الحاجة إلى تثبيت هذا الانتصار بوقائع سياسية على المنوال الذي يُحاك في اجتماعات أستانا، وخصوصاً أن آليات أستانا بدأت تجذب العديد من الدول المجاورة لسورية باعتبار أن هذه الآليات قابلة للتنفيذ، وليس كما هو حال تفاهمات جنيف أو حتى القرارات الدولية.