ديمقراطيتهم وبلداننا!!

بنت الأرض

 

مرّ في الآونة الأخيرة حدث مهم في السودان لم تأتِ على ذكره الصحف ووسائل الإعلام الغربية إطلاقاً ألا وهو انتخاب الرئيس محمد عمر البشير بنسبة أصوات تجاوزت 94%. وتذكرون أن السيد محمد عمر البشير كان قد مُنع من السفر ووُضع اسمه على لائحة الإنتربول، وأُثير صخب عالمي حول عدم انتهاجه المنهج الديمقراطي وعدم توفير الحريّة للشعب السوداني، فكيف يتمّ انتخاب الرجل ذاته بعد سنوات من تلك الضجّة من دون أن يستحقّ هذا الحدث أي لفتة من إعلام الغرب، سلبية كانت أم إيجابية؟ الجواب بسيط؛ وهو أن السبب في كلّ تلك العاصفة التي تمّت إثارتها حول الرئيس البشير وأهليته للحكم ومدى التزامه بالمبادئ الديمقراطية كانت تهدف إلى شيء وحيد وهو تقسيم السودان. وبما أن تقسيم السودان اليوم قد أصبح منجزاً فلا أهمية تذكر لبقاء رئيس أو مغادرته أو إعادة انتخابه لعدد لا يحصى من السنين.
تزامن هذا الحدث مع مشروع قرار أميركي عُرض على الكونغرس الأميركي يطلب تزويد السلاح إلى الكيانات الكردية والسنّية في العراق مباشرة، الأمر الذي يعني تقسيم العراق إلى دويلات مستقلة تتعامل معها الولايات المتحدة مباشرة، وسيزور رئيس إقليم كردستان الولايات المتحدة ربما لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع القرار هذا. والسؤال هو: أولم يكن تقسيم العراق هو الهدف الأساسي لكلّ الحملة التي شنّتها الولايات المتحدة وأوروبا على عراق صدّام حسين وعلى استخدامه الكيماوي ضدّ الأكراد وخاصة بعد استذكار العلاقة الحميمة بين الولايات المتحدة وصدام على مدى عقود، واستذكار أن نتائج التحقيق بأسلحة الدمار الشامل قد دفنت بصناديق مختومة بالشمع الأحمر في أقبية الأمم المتحدة لمدة ستين عاماً؟ إذا يجب التوقف عن القول إن الولايات المتحدة قد فشلت في تأسيس حكم ديمقراطي في العراق، أو قد فشلت في حربها على العراق، لأننا يجب أولاً أن نتأكد من الأهداف الحقيقية لهذه الحرب ونتدارس نتائجها الحقيقية، أيضاً، قبل أن نطلق أحكام الفشل والنجاح. لا شكّ أن الحرب على العراق قد استهدفت تدمير بلد عربي يتمتّع بطاقات بشرية ومادية متميزة وإنهاء وجود جيشه ودولته وإزالة هذا الخطر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ومن ثمّ تقسيم العراق بحيث لا تقوم له قائمة كبلد قوي يشكّل أحد أهم أسباب القوة للعرب في صراعهم مع الكيان الصهيوني. أما وجود صدّام أو عدم وجوده فلا يدخل هذا في الإستراتيجية الأميركية التي تركّز على المصالح والبلدان ومناطق النفوذ. وها هي إستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2015 تؤكّد على استثنائية الولايات المتحدة واستثنائية نظامها، وواجبها أن تعيد صياغة البلدان في مناطق نفوذها على شاكلة الهوية الأميركية بحيث تدور كلّ هذه البلدان في فلكها وتتبع سياساتها طوعاً بعد إزالة كلّ العقبات الجاثمة في طريق تحقيق هذا الهدف.
من هذا المنطلق أيضاً علينا أن نفهم ما جرى في ليبيا وما يتعرّض له الشعب الليبي من إرهاب ودمار، إذ إن الهدف تقسيم ليبيا إلى دويلات متناحرة؛ بحيث يبقى تدفّق النفط للدول الغربية تقريباً من دون مقابل مضموناً وسهلاً، كما أن تدفّق النفط العراقي أصبح مضموناً وغالباً من دون عدادات تذكر. ومن هذا المنظور أيضاً يجب أن نفهم ما يجري في اليمن وسورية ومصر، إذ إن الهدف هو تقسيم كلّ هذه البلدان إلى دويلات طائفية متناحرة وإنهاء أي تصوّر أو إستراتيجية لوجود عربي ينضوي تحت لواء العروبة ويحمل هموم العرب ويدافع عن قضاياهم ويضع الصراع العربي– الإسرائيلي على رأس قائمة أولوياته. إن تنفيذ هذا المخطط قد يستغرق سنوات إذ إن الاستعمار يضع خططاً بعيدة المدى وأخرى متوسطة وثالثة قصيرة، ولا يمكن فهم الخطط القصيرة المدى ما لم يتمّ فهم الخطط المتوسطة والطويلة المدى. ولكن من أجل تنفيذ هذا المخطط رفعت شعارات الحرية والديمقراطية والربيع العربي والتي هي أغطية لتمرير تقسيم بلداننا وإجهاض عروبتنا والقضاء على المشاعر القومية والعروبية والمقاومة كي تتفرد إسرائيل بالفضاء الشرق أوسطي، وتحوّل هويته على صورتها وصورة العم سام. أما العرب المستعربة الذين يتمّ استخدامهم كأدوات لتنفيذ هذا المخطط فلن ينجوا منه أبداً وسيؤكلون يوم أكل الثور الأبيض.