«أستانا»..  التشكيل الإقليمي

| مازن بلال
تتكرر جولات «أستانا» لتكرس مسارا ينقلنا باتجاه آلية إقليمية في التعامل مع الأزمة السورية، فرغم أن «الدول الضامنة» تستند أساسا إلى الدبلوماسية الروسية في كل التفاهمات التي تم إبرامها، لكن اللقاءات في العاصمة الكازاخية تراهن في النهاية على شكل إقليمي لإنهاء الأزمة السورية، وهي تبدو البديل لأشكال متعددة ظهرت منذ سبع سنوات، مثل مؤتمر أصدقاء سورية، فتركيا وإيران وروسيا أوجدت من خلال لقاءات «أستانا» آليات تنسيق وتعاون؛ استطاعت إيجاد اختراق أساسي يربط ما بين العملية السياسية والمجموعات المسلحة التي كانت تعمل بمعزل عن مسار جنيف.
ورغم أن الجولة الأخيرة من «أستانا» تم تكريسها لمنطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، إلا أنها في الوقت نفسه كانت تهيئ البيئة القادمة لكي تطور موسكو من التفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن سورية، ويبدو أن النقطتين الأساسيتين في هذا الأمر تتمحوران حول مسألتين:
الأولى: هي الترتيبات الإقليمية التي ترسمها الدول الضامنة وتشكل نقطة الانطلاق لأي تفاهم روسي أميركي جديد؛ ما يعني أن الإدارة الأميركية التي تلعب دوراً مزدوجا في سورية تتعامل مع التشكيل الإقليمي في «أستانا» على أنه أمر واقع، فواشنطن، وضمن دورها الأول في سورية، تحضر أوراق تفاوض كان أولها الأردن والقوات المدعومة من قبلها، والثاني هو قوات «قوات سورية الديمقراطية – قسد» في الشمال الشرقي لسورية.
يقدم اتفاق الجنوب الغربي لسورية بين موسكو وواشنطن في هامبورغ قبل شهرين مقاربة مهمة حول الأهداف الأميركية في المنطقة، حيث تبدو الولايات المتحدة مهتمة بحدود الأدوار الإقليمية في سورية، وعلى الأخص إيران، أكثر من اهتمامها بأطراف الصراع داخل سورية، فالاتفاق ضمن بالنسبة لها ترتيبات لا تتيح خللاً في التوازن على الحدود الأردنية والإسرائيلية، وفي المقابل قدمت لروسيا فرصة لعقد «مصالحات» ولوصول الجيش السوري إلى النقاط الحدودية، والأمر ربما يتكرر بشأن الشمال الشرقي لسورية، بحيث تصبح ورقة «قسد» هي الضمانة لحدود الدورين التركي والإيراني باتجاه سورية، ويتحول الأكراد إلى شكل آخر داخل الإطار العام للحل السوري، فالولايات المتحدة لن تتمسك طويلا بوجود قوة عسكرية حليفة لها إذا استطاعت ضمان توازن في الشمال السوري يتيح التعامل في العراق من دون تأثير إيراني قوي، أو حتى نفوذي تركي يطمح للوصول إلى العثمانية الجديدة.
الثاني: طبيعة المحاور الإقليمية القادمة حيث يبدو توزيع الأدوار ضمن الأزمة السورية نموذجاً جديداً؛ فهو لا يتيح محورا إقليميا قوياً يكسر التوازنات بشكل سريع، فالوجود الروسي والأدوار التي يتم توزيعها بين طهران وأنقرة يجعل من النظام الإقليمي القادم «مرنا» ويقلل من احتمالات المواجهة على الأخص مع حلفاء الولايات المتحدة.
ما يحدث في «أستانا» هو عملية سياسية على المستوى الإقليمي، لكنها مبنية على تصور لوضع حدود أمنية تمنع التصادم المستقبلي، وبغض النظر عن الضجيج الذي يثار حول «أستانا» أو الدور التركي في محافظة إدلب، إلا أن التشكيل النهائي للشرق الأوسط يظهر بشكل متتال من خلال الاختبار السوري، وعبر آلية روسية بالدرجة الأولى، فمهمة موسكو ليست إنجاح «أستانا» فقط بل تكريس معادلة تضمن وجودها القوي في حل الأزمات الدولية.