نجاحها يتطلب انتظار التطبيق العملي على الأرض نتائج «أستانا 6».. محاكاة للميدان

| مازن جبور

لم يخرج اجتماع «أستانا 6» عن أجواء التفاؤل التي سبقته، لكن الحكم عليه بالناجح يتوقف على التطبيق العملي لما تمخض عنه بعد جهد دبلوماسي لمسؤولي الدول الضامنة الثلاث، روسيا، إيران وتركيا من اتفاق حول منطقة «تخفيف التصعيد» الجديدة في إدلب، الذي يبدو تحقيقه أمراً معقداً ويحتاج إلى فترة طويلة، ويعتبر محاكاة فعلية للواقع الميداني الذي فرضه الجيش العربي السوري.
وما لا شك فيه أن نتائج «أستانا 6» لا بد أنها تأثرت بشكل مباشر بالانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش العربي السوري شرقاً باتجاه دير الزور وغرباً في سلسلة القلمون الغربي، وأن اتفاقات العاصمة الكازاخية وصلت إلى نهاياتها، بحيث تكون الاجتماعات المقبلة في أستانا إجرائية تبحث في التفاصيل، خصوصاً إذا ما نتج عن تطبيق اتفاق إدلب فصل «جبهة النصرة» الإرهابية عن باقي الميليشيات المسلحة.
بناء عليه، ستحمل المرحلة المقبلة عنوانين رئيسيين، على الصعيد العسكري، القضاء على داعش و«النصرة» أو القضاء على الأولى وحلحلة الثانية، أما على الصعيد السياسي فإن المرحلة المقبلة ستشهد بحثاً حقيقياً في الحل السياسي وفقاً للمعطيات العسكرية، ومن ثم فإن زخم الملف السوري سينتقل إلى جنيف.
البيان الختامي لجولة المحادثات، تضمن تجديد تأكيد القواعد الأساسية لعملية «تخفيف التصعيد»، التي تتمثل بأنها إجراء مؤقت يستمر لستة أشهر قابلة للتمديد على أساس الإجماع بين الدول الضامنة، مشددة على أن إنشاء هذه المناطق لا يؤثر في سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية.
التأكيد السابق يضعنا أمام تفسيريين أساسيين الأول يرتبط بالتوقيت إلا وهو ستة أشهر، وبالتالي في حال عدم التزام الميليشيات المسلحة بالاتفاق أو نزوعها للانقلاب عنه، يضع الاتفاق في حكم الملغى تلقائياً ومن ثم يحق للدولة السورية معاودة عملياتها في تلك المناطق. كما أن التشديد على أن إنشاء هذه المناطق لا يؤثر في سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية، يؤكد أن هذه المناطق ستخضع في نهاية المطاف إلى سلطة الدولة السورية بعد أن تستتب عوامل الأمن والاستقرار فيها، وأن سلطة الميليشيات المسلحة المطلقة على هذه المناطق هي مؤقتة.
رئيس الوفد الروسي إلى الاجتماعات ألكسندر لافرنتييف كان واضحاً للغاية خلال مؤتمر صحفي عقده عقب ختام «أستانا 6»، بتأكيده أن هذه الاتفاقات لا تعني تقاسماً للسيطرة والنفوذ على الأراضي السورية، بل هي خطوة أساسية للتمكن من الحوار والوصول إلى حل سياسي في ظل توقف القتال، وقوله أيضاً: «نأمل بأن يستفيد المشاركون في محادثات اليوم من النتائج الإيجابية التي تم التوصل إليها لإطلاق العملية السياسية في سورية»، لافتاً إلى أن نقاط العلامة الأساسية فيها هي المحافظة على وحدة الأراضي السورية وسيادة سورية.
لكن ما يثير الهواجس حول تلك المناطق وما تشمله عدم الإعلان وتوضيح الخرائط الخاصة بتلك المناطق التي تم الاتفاق عليها في الثامن من الشهر الجاري في أنقرة، والاكتفاء بذكر أنه تم الاتفاق على إنشاء مركز تنسيق ثلاثي مشترك روسي، إيراني، تركي، مهمته متابعة نشاط قوات المراقبة، التي يفترض أن تنتشر على أساس الخرائط.
ورغم بقاء تفاصيل الانتشار وآلية توزيع المراقبين خارج نطاق التداول الإعلامي، كشفت صحيفة «يني شفق» التركية أن القوات العسكرية التركية التي ستشارك في ضمان أمن منطقة «تخفيف التصعيد» في إدلب، سوف تعبر من منطقتي «يايلاداغي» و«الريحانية»، وسوف تدخل ما بين 35 و50 كيلو متراً في إدلب ضمن العملية التي ستنطلق في هذا الشهر.
وأوضحت، أن الخريطة المتفق عليها تقسّم المنطقة إلى ثلاثة أقسام، على أن تتولى القوات التركية بالتعاون مع ميليشيا «الجيش الحر» مسؤولية المنطقة الغربية المحاذية للواء إسكندرون العربي السوري السليب (إقليم هاتاي)، التي تمتد على عرض 35 كيلو متراً على الأقل وبطول يصل إلى 130 كيلو متراً.
وأشارت إلى أن عديد القوات المشاركة في العملية من قبل تركيا و«الجيش الحر» قد يصل إلى 25 ألفاً، مضيفة: إن من بين المناطق التي ستسيطر عليها تلك القوات دارة عزة ومطار تفتناز العسكري وجبل الأربعين وجسر الشغور وأريحا ومعرة النعمان وخان شيخون.
وبناءً على التصور الذي نشرته الصحيفة، سوف تدخل تلك القوات في مناطق تسيطر عليها «جبهة النصرة»، وتتمتع فيها بالنفوذ الأقوى، وهو ما قد يقود إلى اشتباكات عنيفة في تلك المناطق، في حال بقيت «النصرة» بعيدة عن العروض التركية السابقة بحل نفسها والقبول بإدارة مدنية في إدلب.
كذلك نصّ الاتفاق على محاربة تنظيمي داعش و«النصرة» وكل المجموعات والكيانات المرتبطة بالتنظيمين، خارج وداخل مناطق «تخفيف التصعيد»، وهنا يضعنا الاتفاق أمام عنوان بارز للمرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد القضاء على تنظيم داعش التي سيكون عنوانها الأبرز سحق «النصرة» وما لف لفيفها من الميليشيات المسلحة.
وتضمن البيان الختامي إشارة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، بينها إطلاق سراح المحتجزين وتحديد مصير المفقودين، بما يسمح بتهيئة الظروف لنجاح وقف إطلاق النار والوصول إلى العملية السياسية.
وأشارت المعلومات إلى نجاح المشاركين في التوافق على الوثائق المقدمة ضمن المحادثات، باستثناء قضية المختطفين والمحتجزين، التي بقيت موضع خلاف، مع اعتراضات ساقها الوفد الحكومي على بعض تفاصيلها، على أن يتم العمل عليها لبتّها خلال الاجتماع المقبل المرتقب أواخر تشرين الأول.
ولا بد من الإشارة إلى أن «أستانا 6» اختلف عن سابقاته، حيث أتى في أعقاب انتصارات وإنجازات للجيش العربي السوري تمثلت في فك الحصار عن دير الزور، وهزيمة «النصرة» في القلمون الغربي، وهو ما شكل تحولاً في عقيدة الإرهابيين، وهزيمة الدول الداعمة لهم وإحساسها بالفشل في مخططاتها حيال سورية.
ولعل ما يميز البيان الختامي لاجتماع «أستانا 6» أنه يمثل قطيعة مع كل الأساليب والأدوات التي اعتمدتها الجهات الداعمة للحرب على سورية وفي طليعتها رهانها على استخدام الإرهاب في سورية كسلاح سياسي للضغط على الحكومة السورية ومن خلال التطبيق العملي على الأرض سيظهر بوضوح مستوى القطيعة مع تلك الأساليب والسياسات المتبعة سابقاً من دول العدوان على سورية.