سورية انتصرت ماذا عن مشيخات الخليج؟

| عمار عبد الغني

مع التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة، يمكن القول إن الأزمة في سورية وضعت على سكة الحل، حال فرضته إنجازات الجيش العربي السوري في الميدان وخاصة بعد كسره الحصار عن مدينة دير الزور، وفرضه واقعاً جديداً لم يطل طويلاً حتى تم صرفه على طاولة اجتماعات «أستانا» لجهة قبول الجميع من الأعداء قبل الأصدقاء بالرؤية السورية للحل القائمة على أولوية مكافحة الإرهاب عبر وقف دعمه أولاً، وسحب كل من تدخل لأدواته ثانياً، كمقدمة لإطلاق حوار سياسي بين السوريين الوطنيين والمؤمنين بوحدة سورية أرضاً وشعباً.
الحل في النهاية ضبط على توقيت دمشق، فانتهت كل مشاريع التقسيم والتفتيت التي حاولوا تجريبها في سورية وتم التسليم بالرؤية السورية للحل للانطلاق في مشروع إصلاح سياسي كانت قد دعت إليه القيادة السياسية منذ عام 2012 واصطدم بمخطط كانت أهدافه أبعد ما تكون عن طموحات الشعب السوري في الانتقال نحو مستقبل أفضل.
بالتالي عندما سيترك للسوريين وحدهم تقرير مصيرهم بأنفسهم فلن نجد من يعارض أي رؤية إصلاحية تحقق مستقبلاً أفضل للشعب لكن ما يجب الإضاءة عليه والتفكير فيه ملياً في المرحلة القريبة المقبلة هو: كيف ستتم معالجة ما خلفه استخدام سلاح الإرهاب في تنفيذ المشروع الهدام والذي لابد أن تكون له ارتدادات على من دعموا ومولوا وسلحوا التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كيف سيتعامل حكام الخليج مع شعبهم في ضوء الدعوات التي بدأت تنطلق على مواقع التواصل الاجتماعي للثورة على أنظمتهم؟
إذا كانت محاربة الإرهاب تحتاج فقط إلى إرادة دولية جادة لتطويقه والقضاء عليه وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، فإن المشكلة الأكبر تكمن في قدرة أنظمة الخليج على الاستماع للأصوات التي انطلقت في داخل بلدانهم للمطالبة بالتغيير ذاته الذي أرادته أنظمتهم في دول أخرى، وهنا بدأت إجراءاتهم الإصلاحية باعتقال كل من سولت له نفسه المطالبة بالحقوق أو حتى من وقف على الحياد على حين انبرى «مشايخ الإفتاء» لاعتبار الدعوات إلى الحراك الشعبي «مفسدة وخروج عن طاعة الحاكم» وأن بلادهم تعيش بأمن وأمان وهناك من يريد تحويلها إلى أرض لسفك الدماء.. إلخ.
ذلك يعني بالمجمل أن على الشعب الخليجي أن يبقى رهينة حكم حد السيف حيث لا دستور ولا برلمان ولا حتى حق مواطنة، وبناء عليه فإن كل من يفتح فمه مطالباً بأبسط حقوقه فهو فاسد ومخرب وعقوبته واضحة، إما الإعدام أو الزج في غياهب السجون وفق قانون النظام السعودي وشركائه في الحكم من سلالة عبد الوهاب من آل الشيخ، وبعبارة أخرى أنهم أرادوا من خلال ذلك أن يوصلوا رسالة لمواطنيهم عليكم التسليم بحكم الأمر الواقع وإلا.
«الربيع العربي» الحقيقي، بدأ في الخليج وهذا أمر طبيعي تفرضه حقيقة أنه لا يمكن الحكم في القرن الحادي والعشرين بقوانين ما قبل التاريخ، وبالتالي فإن دعم دول الخليج لما أسموه «الثورات العربية» بدأ يعطي مفعوله الرجعي على بلدانهم لتصويب البوصلة واقتلاع الأنظمة التي كانت طيلة القرن الماضي وبداية القرن الحالي، عنواناً عريضاً لتدمير الأمة وتبديد الثروات في سبيل الإبقاء على العروش والتي لا يمكن بعد الآن أن تهنأ براحة بال.
سورية انتصرت في الحرب التي شنت ضدها وستخرج من أزمتها أقوى مما كانت وعلى المهزوم أن يدفع فاتورة ما سببته عبثيته في أمن المنطقة والأشهر القليلة القادمة ستوضح المشهد أكثر.