الثبات على الثوابت

| رفعت البدوي

منذ بداية الأزمة السورية سُخر العديد من وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة ولجأ بعض أجهزة المخابرات الأجنبية إضافة إلى أجهزة مخابرات بعض الدول العربية بالتكافل والتضامن مع أجهزة مخابرات العدو الإسرائيلي، جميعهم انخرطوا بعملية احتراف التزوير في صناعة الأفلام والصور الملفقة وإطلاق الخطابات الرنانة المملوءة بلغة التحريف والتزوير والبعيدة كل البعد عن واقع الأمور وأطلقوا العنان لأدواتهم عبر شاشات القنوات الفضائية فتصدر الشاشات شريط الخبر العاجل وملاحق نشرات الأخبار وبث رسائل مراسلين مندسين عبر وسائل التواصل الاجتماعي الهادفة إلى غسل الأدمغة وتشويه الحقائق وتشويش الفكر والتعمية على الرؤية الصحية ليجري التداول بلغة واحدة معممة على مجمل أدوات المؤامرة لتأمين الأرضية الصالحة في إقناع ضعفاء النفوس بامتطاء الفتنة المطلوبة التي تؤدي إلى تدمير بنية الدول وإسقاط النظم وضرب الجيوش وهدم الحضارات والثقافات وإثارة النعرات الطائفية ونشر ثقافة الفساد وتشجيع الفوضى وتفتيت المجتمع وتشريد شعوب المنطقة وسلخهم عن أرضهم وتاريخهم وحضاراتهم والوصول بهم إلى درجة الكفر بالأنظمة والدول وبالواقع الذي نعيش ورسم صورة مستقبل أسود لا أمل فيه لبناء الإنسان والأوطان.
ولو عدنا بالذاكرة إلى السبل والأدوات التي اتبعها مهندسو ما سمي الربيع العربي في كل من تونس ومصر وليبيا وسورية لوجدنا أن الأسلوب واحد والوسائل متشابهة إلى حد التطابق ولغة المؤامرة واحدة والشعارات التي رفعت هي نفسها، ولو بحثنا عن المصدر لوجدنا أن المصدر كان واحداً والمشغل والمستفيد واحد.
انهارت الأنظمة التي ضربها الربيع العربي، بيد أن الجمهورية العربية السورية وعلى مستوى القيادة السياسية والعسكرية والدبلوماسية، وحدها عرفت كيف تواجه كل تلك الأعاصير الهدامة بحنكة ودراية، وصمدت وتكلمت بلغة الثبات على الثوابت والإيمان بالوطن والدولة وبسورية التاريخ والحضارة، كما أثبتت كل التجارب أن سورية تمتلك من الرؤية الإستراتيجية الواضحة وصوابية القرار ترجمت لغة الخطاب السوري الذي لم يتبدل منذ اندلاع الأزمة فيها وعلى مدى السنوات السبع الماضية حتى يومنا هذا.
إن ثبات الموقف السوري الآتي من عمق الإيمان بسورية النابع من دروس التاريخ ومناهج التربية في حب الوطن من مدرسة المؤسس الراحل الرئيس حافظ الأسد شكل المؤونة الوطنية التي حفظت سورية على مدى السنوات السبع العجاف.
إن امتلاك الرؤية الإستراتيجية والخطاب الواضح والتمسك بالمبادئ والقيم واحترام الذات والحفاظ على الهوية العربية لسورية والعمل على بلورة وتطوير مفهوم الصمود في مواجهة الأزمات الكبرى والتضحية في سبيل الدفاع عن سورية الوطن وشعبها العربي والإيمان بتربية الجيش العربي السوري المبني على العقيدة الوطنية إضافة إلى امتلاك الحس الوطني العالي لدى مختلف شرائح الشعب العربي السوري، هي عوامل مهمة ترجمها وجود قائد عربي سيكتب عنه التاريخ، اسمه الرئيس بشار الأسد الذي استطاع بحنكته وحكمته وثباته تغيير مسار العاصفة ومجرى الأحداث، كما استطاع قلب ظهر المجن مقدماً الدروس والعِبر في تقديم إستراتيجية الصمود والتضحية، شهد العالم كله أنه القائد الذي حافظ على كرامة وعزة ورفعة سورية وشعبها وأنه القائد الذي دخل التاريخ ووسّع أبوابه.
في بدايات الأزمة السورية وقف العالم وحتى حلفاء اليوم لسورية وقفوا في حالة ترقب سقوط دولة ونظام حتى القيادة الروسية انقسمت في رسم إستراتيجيتها بين فريق فضل مراعاة مصالح روسيا مع الولايات المتحدة الأميركية نظرا لهيمنة أميركا على سياسات واقتصاد العالم والتخلي عن سورية وبين فريق الرئيس فلاديمير بوتين الثابت على الثوابت التي وضعها المعلم الروسي الراحل اندريه غروميكو الذي أوصى بالحفاظ على سورية الدولة مهما كلف الأمر نظرا لأهميتها الجيوسياسية الإستراتيجية لموسكو.
إيران بدورها واجهت انقساماً بين فريق يدعو إلى تأمين مصالح إيران واعتبار أن ما جرى في بعض البلدان العربية بالصحوة الإسلامية الواجب دعمها وبين فريق المرشد الأعلى السيد على خامنئي مذخراً برؤية قائد حزب اللـه السيد حسن نصر اللـه بضرورة الحفاظ على سورية ومساندتها نظراً لأهميتها في مجرى الصراع مع العدو الإسرائيلي.
إن صمود سورية وثباتها في مواجهة المؤامرة الكونية لأكثر من أربع سنوات متواصلة جعل كل من فلاديمير بوتين والمرشد السيد علي الخامنئي والأمين العام لحزب اللـه السيد حسن نصر اللـه ينتصرون في رؤيتهم الإستراتيجية في ضرورة دعم الجمهورية العربية السورية لأن سورية تشكل النقطة المحورية لانطلاق مشروع تغيير النظام العالمي وهكذا كان.
اليوم نستطيع القول إن سورية وحلفاءها استطاعوا قلب المعادلة فبعد أن كانت سورية مُهددة من التحالف الأميركي الإسرائيلي الخليجي صارت سورية تخيف الأعداء بعد نجاحها وحلفاءها في تشكيل حلف متين يقلب الموازين والقوى ويستطيع شل القدرة الأميركية على فرض إرادتها على الدول وصارت إسرائيل مرتعدة خائفة على وجودها، فتجول على عواصم العالم تشحد الأمن لكيانها وتحولت معها العاصفة لتضرب دول الخليج التي شاركت وأسهمت بأموالها النفطية في تمويل المؤامرة على سورية.
لا غلو في القول إن الثبات على الثوابت عند القيادة في سورية واحترام الذات والوطن والحفاظ على الهوية ووحدة الأرض والشعب في سورية وعدم التفريط بالقضية الفلسطينية وبالمبادئ القومية، شكل الرافعة الأساسية في جعل سورية اللاعب الإقليمي الوحيد والأقوى على الساحة الدولية والرقم الصعب، ليشهد التاريخ أن صمود سورية وثباتها كان له الفضل في رسم معالم نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، نظام ينعي الهيمنة الأميركية ومن والاها إلى غير رجعه، نظام يعيد للعرب مكانتهم في المعادلة الدولية لتكون فيه سورية الند القوي ما يؤهلها إلى قيادة العالم العربي نحو مستقبل واعد لأجيالنا العربية ثابتة على الثوابت محافظة على الحقوق العربية.