الإرهاب وحروب إدارة ترامب الأربع

| قحطان السيوفي 

يشير المشهد الأميركي اليوم إلى أن الطاقم القيادي لإدارة الرئيس دونالد ترامب لا يزال يعاني تداعيات حالة التناقض في التوجهات بين العنصريين البيض، والشعبويين الانعزاليين، ومؤيدي الهيمنة الأميركية عالمياً، وأخيراً الرأي العام الخائف من الإرهاب الذي سبق لحكام أميركا أن ساهموا بصناعته في أفغانستان، ما يؤدي لاستمرار تشظي وإقالة أو طرد وجوه من مراكز قيادية، كان آخرها حلّ اثنين من مجالس الأعمال الرئيسة التابعة للرئيس ترمب.
أسئلة عديدة يطرحها رجال أعمال أميركيون سبق أن نشطوا لمصلحة الحملة الانتخابية لترامب، ويترددون اليوم في التعاون مع ترامب ويقولون: نحن الآن نعيش في عالم ليس فيه قوة عظمى مهيمنة، أميركا لم تعد مرساة للاقتصاد العالمي.
من القياديين الذين تم الاستغناء عنهم كبير مختصي إستراتيجية الرئيس ترامب، ستيف بانون، ويعتبر خسارة للقوميين البيض، وهو معروف بأنه العبقري الشرير، الأيديولوجي المملوء بالكراهية، وسيد المناورة.
وأبدى الليبراليون ارتياحا لمغادرة بانون، لكن التهديدات التي كان يُمثّلها لن تختفي مع مغادرته البيت الأبيض، ويُمكن تلخيصها بثلاثة أنواع من الحرب: الحرب التجارية، والحرب الأهلية، والحرب العالمية، ويضاف إلى ذلك تهديد الإرهاب ومواجهتها، فلم يختف أي من هذه التهديدات، لأنها كانت نتيجة توترات اقتصادية واجتماعية ودولية واسعة استغلها بانون، حتى نفهم ذلك نحن بحاجة إلى النظر في كل من تهديدات «الحرب» على التوالي.
طرد بانون حدث في الوقت الذي كان فيه المعلّقون المحافظون في الولايات المتحدة، مثل باتريك بوكانان يكتبون علانية عن إمكانية «حرب أهلية ثانية»، ولأنه كان يُنظر إلى بانون على نطاق واسع على أنه بطل قومية البيض داخل البيت الأبيض، وأثارت إقالته الآمال بأن ترامب ربما يتراجع الآن عن اليمين المتطرف، وهذا أمر غير محتمل على الرغم من الغضب واسع النطاق حول تصريحات ترامب بشأن العنف العنصري في شارلوتسفيل، إلا أن 68 بالمئة من الناخبين الجمهوريين يشاركونه الرأي في أن «كلا الجانبين» ملوم على هذه الاضطرابات العنصرية، وهذا يدل على أن غضب البيض يذهب أعمق وأوسع بكثير مما كانت الجماعات النازية الهامشية مستعدة لإظهاره في الشوارع، وسيستمر ترامب في توجيه ذلك الغضب لتوسيع الانقسامات الخطيرة في المجتمع الأميركي، وزيادة الاستقطاب السياسي، إلى جانب أن العنف في الشوارع والإرهاب وتداعياته، هو خطر قائم.
لا يزال فريق التجارة في إدارة ترامب، بقيادة قوميين اقتصاديين، ولا يزال ترامب يرى أن الفائض التجاري في الصين مع أميركا يجب «تصحيحه»، ومن المرجح أيضاً أن يُحرز الحمائيون الأميركيون تقدماً لأن السياسات الصناعية في الصين تُهدد الصناعات الأميركية الأساسية، فبكين تسعى إلى فرض الهيمنة الصينية في المجالات الحيوية لصناعة التكنولوجيا الفائقة وفق سياسة «صنع في الصين عام 2025».
يعتبر كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، أحد مراكز القوة المتبقية في إدارة ترامب، ويحاول فرض الانضباط في البيت الأبيض، ومن المرجح أن تكون معركته الأكبر محاولة كبح ترامب نفسه وترويضه، كما جاء في «الفاينانشال تايمز» في 22 آب الماضي.
يدعي أشخاص داخل البيت الأبيض أن كيلي يفرض منذ الآن سلسلة عسكرية قوية من القيادة والسيطرة، عبر المجموعة المسماة «الراشدون» في البيت الأبيض الذين، على الرغم من الاعتراك في بيئة فوضوية وسامة بشكل منتظم، يؤكدون مسؤوليتهم عن التمسك بالإدارة.
نيكولاس بيرنز، الذي شغل في وقت سابق منصبا رفيعا في وزارة الخارجية، قال: «إن مغادرة بانون أزالت من البيت الأبيض قوة تسعى لعزلة أميركا، ونأمل أن تتمكن إدارة ترامب من أن تجد طريقها نحو رؤية للعالم أكثر مهنية وانخراطا»، وهذا رأي الذين يريدون إبقاء دور أميركا العالمي.
لكن النقاد يقولون إنه من الصعب الحفاظ على السفينة مستقرة ما دام ترامب يبقي على قمة القيادة كريس ويبل، مؤلف كتاب «حراس البوابات»، والذي يعتقد أن كبح الرئيس «مهمة مستحيلة»، وقال عن الرئيس: «هذا رجل، إذا أخبرته حقائق صعبة وحاولت جعله يلتزم بالخطة، فإنه سيمزق الخطة بعد 24 ساعة»، ويخشى بعضهم إحداث فوضى داخل البيت الأبيض.
على الصعيد العالمي، كانت مجموعة بانون تسخر من تهديدات بتوجيه ضربة وقائية لبرنامج كوريا الديمقراطية النووي الذي يدفعه منافسوه في إدارة ترمب، وكانت تعارض إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان، وتعود أصول شعار «أميركا أولاً» الذي يعتمده ترامب، إلى العزلة التي جعلته أقل ميلاً إلى دعم الالتزامات الأمنية الأميركية الواسعة التي يُفضّلها أعداؤه العالميون، بالمقابل هناك قوى تقليدية في إدارة ترامب تشجع على مواجهة القوى المنافسة، مثل الصين وروسيا، وهذا يمكن في الواقع أن يزيد من احتمال نشوب نزاع في بحر الصين الجنوبي وكوريا الديمقراطية وأوكرانيا والشرق الأوسط.
يشكل التهديد الأخير الذي يمثله الإرهاب ومحاربته، هاجساً للرأي العام الأميركي والعالمي، فأميركا كانت من مؤسسي وداعمي الإرهاب التكفيري في أفغانستان بمشاركة دول إقليمية خليجية، وارتد الإرهاب على صانعيه مع تداعياته الرهيبة، كما في تفجيرات أيلول 2001 وما تلا ذلك من غزو العراق وأفغانستان، وهو ما ساهم في تشجيع الإرهاب العالمي ليصبح آفة متنقلة تهدد المجتمع الدولي، فالإرهاب يشغل إدارة ترامب المتصدعة بين مواجهة تهديده الداخلي، والتظاهر بمحاربته في الخارج عن طريق ما يسمى التحالف الدولي غير الجاد وغير الفاعل في محاربة تنظيم داعش الإرهابي.
لقد دعمت إدارة ترامب وتدعم بشكل مباشر وغير مباشر، قوى الإرهاب كتنظيم داعش وجبهة النصرة الإرهابيين في سورية، وترسل قواتها العسكرية إلى هذا البلد المستقل من دون موافقة حكومته الشرعية خلافا للقوانين الدولية وميثاق منظمة الأمم المتحدة.
الحروب تملأ فراغ القيادة في إدارة ترامب من خلال تهديدات ثلاثة، حرب أهلية، وحرب تجارية، وحرب مع العالم، ورابع هذه الحروب حرب ترامب، غير الجادة، على الإرهاب.