ركن مهدد بالزوال!

| عبد المنعم علي عيسى

انتهت الجولة السادسة من أستانا يوم15 الجاري بتوافق روسي إيراني تركي يقضي بأن تكون مدينة إدلب هي منطقة خفض التصعيد السورية الرابعة، وهو أمر بالغ الأهمية في أعقاب الانهيارات التي شهدها- ويشهدها- تنظيم داعش مؤخراً، وهو إشارة واضحة لجبهة النصرة بأن عليها أن تدرك أن الدوائر باتت منذ الآن تدور عليها، كما أنه يمثل بالنسبة لها أمر عمليات حربياً تدركه جيداً وكذا الفصائل التي تستظل بظلها أو هي تنضوي تحت جناحها قسرياً، ومن اللافت أن العديد من حالات التموضع كانت قد سبقت قرارات أستانا 6 في مؤشر يؤكد استشرافها السياسي الصحيح ففي 13 من الجاري أعلن جيش الأحرار انشقاقه عن هيئة تحرير الشام وقبله كانت حركة نور الدين الزنكي قد انشقت أواخر تموز الماضي قبل أن يحدث اهتزاز قيادي مثله خروج عبدالله المحيسني ومصلح العليان في 11 من الجاري، ولذا فإن تلك الهيئة التي أعلن عن قيامها في 28 كانون الثاني 2017 والتي كانت تمثل حالة ابتناء سد داعم تحتمي به جبهة النصرة لم تعد قائمة وهذي الأخيرة تدرك أن خسارتها له ستعني قطعاً للأوصال التي مدتها باتجاه البنى المجتمعية والمدنية في محاولة لتوسيعها، بقي أن نشير إلى أمر مثير للدهشة حقاً ففي لقاء له على قناة العربية يوم 14 أيلول أعلن رئيس وفد المعارضة السورية إلى أستانا أحمد البري أن الوفود الأميركية والفرنسية والبريطانية لا تزال مواقفها هي هي ولم تتغير في مسألة وجود الرئيس الأسد في سدة السلطة بدمشق!!! أما المثير للدهشة فهو تلك السذاجة التي تدعو إلى الإشفاق أكثر مما تدعو إلى أي شيء آخر إلا أنها لا تبدو بعيدة عن المذهب الأنجليكاني الذي تعتنقه المعارضة السورية منذ قيامها وهذا الأخير لا يضع في حساباته أن ما يجري من أحداث أمامه يمكن أن يكون له جانب آخر مستتر أو هو يتناقص مع ما تراه العين أو تسمعه الأذن.
شهدت جولة أستانا الأخيرة متغيرات لافتة لعل من أبرزها الغياب السعودي لمصلحة بروز دور قطري خجول أو هو حريص على إثبات توبته عما مضى كأنما «كلما غاب القط لعب الفار»، وعن سر التحول السعودي فيما يخص التسوية السورية نشرت وكالة( بلومبرغ) الأميركية تقريراً مطولاً ذكرت فيه أسباب عديدة وكلها محورية إلا أن ما لم تذكره هذي الأخيرة أمران هامان في هذا السياق نفسه الأول هو حال الوهن السعودي الفاضح والذي ترصده مؤشرات عديدة منها تعالي الأصوات الداعية إلى وضع شعائر الحج تحت وصاية دولية والبارز فيها مؤخراً هو انضمام الصوت القطري إليها في موسم الحج الأخير وإن كان هذا قد مارس ذلك الفعل بخبث واضح لا يخلو من الكيدية السياسية إلا أنه يعبر عن رؤيا قطرية مفادها أن النخر السعودي هو في ذراه القصوى، ومنها ما شهدته المملكة من اعتقالات افتضحت يوم 15 أيلول طالت داعية إسلامياً هو الشيخ سليمان العودة الذي أضحى وسم اعتقاله في خلال 24 ساعة هو الثاني عالمياً، ومن المهم هنا القول إن هذه النتيجة السابقة ليست ناجمة عن أهمية الشيخ وإنما ناجمة عن حالة ترقب قصوى دولية وإقليمية للحال السعودي من شأنها أن تضع الأحداث فيها تحت الأضواء الكاشفة، وعلى الرغم من أن الشيخ كان قد دعا إلى تأليف القلوب في أعقاب خبر اتصال الأمير القطري بولي العهد السعودي إلا أن الرياض فهمت سريعاً ماذا يريد فالنظام في مرحلة من المراحل الحرجة يصبح شديد الحساسية تجاه أي حدث أو تصريح والمؤكد هو أن النظام السعودي قد بات اليوم في تلك الدائرة الحرجة وأكثر ما يؤكدها هو بيان الشيخ عبدالله بن علي القطري من الفرع الثاني لآل ثاني يوم الأحد الماضي والذي أرادت الرياض من خلاله أنها هي أيضاً قادرة على تهديد عروش الآخرين إن لم يستكينوا، والثاني هو أن الدائرة الضيقة المحيطة بالعرش لا تبدو مطمئنة لانتقال سلس وهادئ للسلطة ولربما بدا ذلك جلياً في تأجيل الملك سلمان القيام بنقلها إلى ابنه محمد على نحو ما كان مؤكداً خوفاً من انتقالها بعد وفاته في ظرف داخلي عصيب وسيزداد صعوبة آنذاك والراجح أن التأجيل يرى وجوب القيام بمرحلة ثالثة من ترتيب البيت الداخلي، بالإضافة إلى رؤيا جديدة تشكلت مؤخراً كما يبدو في الرياض وهي تدرك استحالة أن تساوم موسكو على دمشق، ولذا فمن الأفضل التقارب معها لعل هذا الأخير يفضي إلى حجز مقعد لها في الصالة ولو كان «على الواقف».
الأمر نفسه كانت قد اتبعته تل أبيب مع موسكو وإن كانت هذه الأخيرة قد أيقنت مؤخراً أن التسوية السورية باتت ماضية ومن الصعب الوقوف بوجهها ولذا فقد عمدت إلى تصفية العديد من الحسابات مع دمشق ومع حزب اللـه أيضاً وفي هذا الإطار يمكن فهم استهداف تل أبيب للعديد من الأهداف التي طالها القصف مؤخراً وآخرها منشأة مصياف 7 أيلول التي قيل إنها هي التي أنتجت أغلبية الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل إبان عدوان تموز 2006 مستندة في ذلك إلى رؤيا مؤكدة هي أن موسكو لن تسمح باندلاع حرب إقليمية يمكن أن تخلط الأوراق في المنطقة بعدما وصلت الحالة السورية إلى ما وصلت إليه، ولذا فإنها (أي موسكو) سوف تمارس أقصى الضغوط على دمشق بما يضمن ضبط أعصابها وعدم ردها على العدوان، ولربما من الواجب علينا والحال هذه أن نتوقع المزيد من تلك الضربات في المرحلة اللاحقة والمؤكد أن تل أبيب لن تستجيب للضغوط الروسية لوقف عدوانها على دمشق وحزب اللـه طالما بقيت تلك الضغوط في إطار الخشية من اتساع دائرة النار بما لا يخدم التسوية السورية.
وفي هذي الآونة تعمل موسكو على توطيد مواقعها أو تحصينها في المنطقة (والعالم) والتي كانت آخر إنجازاتها الالتحاقة التركية بها مؤخراً فالإعلان عن توقيع اتفاق روسي تركي 9 أيلول يقضي بتزويد انقره بصواريخ إس إس 400 يعادل تماماً الخروج من الناتو أو أقله تصنيف تركيا كبلد ناتووي كسول لا يستجيب لما يملى عليه، ولذا فإن من المقدر لموسكو أن تمضي في اندفاعاتها تلك قدماً إلى الأمام في ظل وضع ترى فيه أن حال الاضطراب الذي يصيب الإدارة الأميركية الراهنة هو فرصة سانحة لا يمكن تفويتها بل والكثير من المؤشرات المتولدة يومياً تدعو أيضاً إلى تسريع خطواتها فيها.
قبل ما يزيد على ثلاث سنوات كنت قد كتبت في هذه الزاوية نفسها أن النظام السوري هو حالة احتياج إقليمي ودولي وذاك أمر يحسب له لا عليه وهو ينم عن رتابة المعمار الذي ابتنى علاقاته ورسم جدرانه وفق أعمدة لا يضعفها تقادم الزمن وإنما يزيدها متانة وصلابة، ولذا فإن محاولة المعارضة السورية إسقاطه تعني في التعقيدات الدولية أن ثمة ركناً أساسياً في المنظومة الدولية، وهو يملك تاريخاً عريقاً فيها، قد بات مهدداً بالزوال والقضاء على تلك المعارضة سوف يعني إسدال الستار عليه ولذا فهو سيقاتل بشراسة منقطعة النظير وبأقصى ما يستطيع.
الآن وبعدما تأكد أن ذلك النظام هو حالة احتياج يصعب تجاوزها هل اتضح ذلك الركن الأساسي المهدد بالزوال والذي هو ماض في الطريق إليه؟