الملحنون السوريون الأول يعودون إلى الذاكرة بإبداعهم … معاون وزير الثقافة لـ«الوطن»: واجب الوزارة تكريس القامات الثقافية والفنية وتكريمهم

| سارة سلامة- «ت: طارق السعدوني»

«صفر صفر يا بابور، ويم العباية، أبحث عن سمراء، يا طير سلملي ع سورية..»، ربما تكون هذه الأغاني وغيرها حملت معها تاريخ جيل بأكمله ونحن اليوم تغيب عنا تماماً أغنيات شبت عليها أجيال بأكملها، هذه الأغاني كانت من تلحين السوريين أنفسهم الذين لم يقتصروا على نشر ألحانهم داخل سورية فقط إنما عمل الكثير من الفنانين العرب على اعتماد اللمسة السورية كلحن، وهذا حقيقة نجهله.

وبناء على كل ذلك قام «مهرجان الملحنين السوريين الأول» عبر رسالة واضحة وهي «رحلوا بالجسد.. وبقي نبضهم مخزوناً في موسيقاهم.. ولأنهم سوريون.. ولأن موسيقاهم تشبه حياتنا.. نستذكرهم»، هذا المهرجان الذي أشرف عليه الباحث الموسيقي أحمد بوبس كان قد تضمن ثلاث حفلات لأعمال موسيقية وغنائية نادرة.
وشهد المهرجان في يومه الأول احتفاء اوركستر «ندى» بقيادة المايسترو حسام الدين بريمو بـ10 مؤلفين سوريين راحلين منهم: حسان سكاف، ومحمد رجب، وأحمد الأوبري، وكميل شامبير، وفريد الأطرش، كما أحييت فرقة الموشحات والموسيقا العربية بقيادة المايسترو صلاح عربي القباني الحفلة الثانية لأجمل الألحان والمؤلفات الموسيقية لرائد المسرح الغنائي الأيقونة السورية أبو خليل القباني.
واختتم المهرجان بأمسية غنائية لجوقة «شام» بقيادة المايسترو حسام الدين بريمو في دار الأوبرا للثقافة والفنون احتفاء بالملحنين السوريين ومنهم: عدنان قريش، وأحمد الأوبري، وانطوان الحلبي، وعبد الفتاح سكر، وسهيل عرفة، وتخلل الحفل أجمل الأغاني القديمة التي تعود لتراثنا الجميل وتاريخنا الذي لا بد لنا أن نفخر به.

العظماء لا يموتون
وفي تصريح خاص لـ»الوطن»: قال معاون وزير الثقافة علي المبيض أن: «هذا المهرجان من شأنه نشر ثقافة الملحنين السوريين مثل: «عبد الفتاح سكر وسهيل عرفة» وغيرهم كثر، وهناك الكثير منا لا يعرف أن الملحنين السوريين منهم من لحن لكبار المطربين العرب وليس فقط ضمن سورية مثل «شادية، وصباح، ووديع الصافي» والذين اعتمدوا في بعض أعمالهم على بصمة الملحنين السوريين».
وأضاف المبيض إن «من واجب وزارة الثقافة تكريس القامات الثقافية والفنية في القطر وتكريمهم وإقامة مثل هذه المهرجانات لنشر ثقافتهم وتسويقهم وتعزيز هذا النهج القائم الذي يمتد إلى أكثر من 10 آلاف عام، لأن القامات الثقافية والفنية هم منارات تستنير بها الأجيال ومثلما تسلمنا الأمانة من آبائنا وأجدادنا تقتضي الأمانة أن نسلم التراث الثقافي الغني والثري لأبنائنا وأحفادنا وتعريف الأجيال بقيمهم الثقافية والفنية وخصوصاً أننا في طور تتعرض فيه الهوية الثقافية والحضارية لسورية لبعض التشويه».
وأشار المبيض إلى أن «الهدف من هذا المهرجان الذي ضمّ فعاليات تناولت مواضيع متنوعة ومختلفة هو تسليط الضوء على القامات الثقافية وهذا نهج تتبعه وزارة الثقافة لنشر ثقافة هؤلاء العظماء ونشر فنهم وإعادة إحياء أعمالهم لتبقى الأجيال الجديدة على اطلاع على أعمالهم ونحن على إيمان كامل بأن العظماء لا يموتون بمثل هذه الأنشطة والفعاليات».

الفن يبدد كل ما يفرق
وفي تصريح مماثل أكد المايسترو حسام الدين بريمو: «اليوم وبهذا الحفل نكون قد اختتمنا مهرجان الملحنين السوريين الذي كان الهدف الأساسي منه هو التذكير بعظمائنا الذين رحلوا وتركوا وراءهم أثراً رائعاً، والذين لم يحظوا بأي اهتمام أو معرفة بأثرهم الموسيقي في مجتمعنا وخاصة من الجيل الشاب، ونعتقد أن هناك الآن جيلاً كاملاً لم يستمع إلى جيل كامل من الملحنين ونحن اليوم نعتبر أن المسؤولية تقع على عاتقنا في إظهار أثرهم لنكون بمنزلة الجسر الذي ينقل إبداعات جيل مضى إلى الأجيال القادمة لأننا إذا لم نربط الأجيال بعضها ببعضٍ تتشتت الأمة».
وأضاف بريمو إن «خيارنا كان لتسعة ملحنين حيث اخترنا لهم خمس عشرة أو ست عشرة أغنية لأننا نرى أن من الواجب تقديمهم ومن الضروري تسليط الضوء عليهم من جديد وذلك من الشعبي البسيط إلى الكلاسيكي الدسم ولا يجب إهمال أي لون من الألوان وهذا ما قدمناه من خلال كورال «شام» الذي يغني فيه 35 شاباً وصبية ومن اوركسترا «ندى» الذي ضمّ 12 عازفاً».
وبين بريمو أن: «العزف الذي قدم كان شرقياً بما ينسجم مع الأمس والغد والموسيقا الشرقية تعيش لأنها أصيلة، ونحن لا نستخدم التوزيع الحديث أبداً لأن ما قدمناه اليوم نعتبره أمانة»، منوهاً إلى أن الرسالة التي يسعون إليها هي: «ربط الأمة ببعضها فإذا لم نعمل على ربط السوريين بعضهم ببعضٍ فإنهم يتشرذمون، وجمعهم لا يكون فقط بالفكر والعقيدة إنما من الممكن جمعهم بالفن لأن الفن يبدد كل ما يفرق».

إحياء الأعمال السورية
ومن جهته قال الباحث الموسيقي أحمد بوبس إن: «الهدف من المهرجان كله هو إعادة إحياء الأعمال السورية القديمة والتذكير بالملحنين السوريين الكبار الذين قدموا مئات بل آلاف من الأغاني الجميلة»، مبيناً أن «دار الأوبرا» قررت أن يكون المهرجان سنوياً حيث سنقدم مزيداً من الأغنيات الجديدة وهناك بعض الأغنيات تقدم لأول مرة مثل أغنية «أريج الزهر» من ألحان الموسيقي الكبير أحمد الأوبري الذي لحنها في ثلاثينيات القرن الماضي وقد كانت موجودة على الورق، والحفلة الثانية كانت إحياء ذكرى أبو خليل القباني وقدمت فيها مجموعة من الموشحات، وأتمنى أن تتمكن هذه الحفلات من إدخال البهجة إلى قلوب الناس من خلال أغنيات جميلة وقديمة، وكأننا نقول في هذا الحفل اسمعوا يا ناس اسمعوا اللحن السوري القديم للملحنين السوريين الكبار فالناس تحب هذه الأغاني ولكنها لا تعرف حقيقة من لحنها واليوم هي فرصة للتعرف على هؤلاء الملحنين».

مؤلفونا لهم حق علينا
أما عازف الكمان الأول في الفرقة المثنى علي فقال إن: هذه الحفلة هي ختام مهرجان الملحنين السوريين الذي تبنته «دار الأوبرا» وقام بإعداده عدد من الباحثين المعروفين وعلى رأسهم أحمد بوبس، وحسام الدين بريمو، وصلاح عربي القباني، وكان لأحمد بوبس الفضل والسبق باختيار البرامج من الأرشيف القديم في إذاعة دمشق أو حتى من الأعمال المكتوبة غير المقدمة على المسارح، وكان الخيار في تقديم الأغاني غير الموزعة بالشكل الجيد، وتخلل الحفل الموسيقي بداية مع اوركسترا حسام الدين بريمو أعمال موسيقية لمؤلفين فقط، مثل: سامي الشوا، ومحمد رجب والعديد من المؤلفين السوريين، وبعدها كان حفل كامل لأبي خليل القباني وكان مع صلاح القباني، واليوم في الحفل الأخير مع الكورالات كان الغناء الجماعي لتقديم الأغاني الفردية التي كانت منذ العام 1920 إلى 2017».
وقال علي إن «رسالتنا من هذا الحفل هي أن نؤدي واجبنا كموسيقيين ونسترجع تقديم الأغاني التي تمثل تراثنا لأنهم مؤلفونا ولهم حق علينا في أن نقدم أعمالهم».