المشاريع الانفصالية.. فاشلة

| مازن جبور 

الفشل هو مصير أي مشروع انفصالي في سورية، هذا ما أثبتته التجارب خلال سنوات الأزمة السورية مع «الإمارات» و«الدويلات» التي دأبت التنظيمات الإرهابية على إقامتها، وخير مثال على ذلك هو حال «دويلة» تنظيم داعش الإرهابي الآن وإمارة جبهة النصرة الإرهابية في إدلب، ولا بد أن المصير ذاته سيلقاه المشروع الانفصالي الذي يسعى الأكراد لتنفيذه في الجغرافية السورية.
لا الزمان ولا المكان ولا البيئة ولا المقومات، تعد أرضاً خصبة لمثل هكذا مشروع، وبالتالي فإن طرحه يعتبر ملامسة لشمس صيفية حارقة مصير الحالم بملامستها الذوبان والاختفاء.
إن مساعي إقامة دولة كردية مستقلة، التي شهدت انتعاشة مع هبوب إعصار ما يسمى «الربيع العربي»، واجهت تاريخيا العديد من العقبات التي لم يتم تجاوزها سابقا، ولن يتم تجاوزها الآن، فهذا المسعى يهدد وبشكل مباشر الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي بدأ يتجه للتعافي.
فضلاً عن ذلك، لا يلقى هكذا مشروع أي موافقة إقليمية، بل على العكس يلقى معارضة شديدة ويبدي العديد من دول المنطقة جاهزيته لاستخدام القوة العسكرية في مواجهته، كما تأتي هذه الجهود في فترة زمنية أقل ما يقال عنها إنها سيئة.
هنا لا بد من التذكير، بأن مجموعة المشاريع المطروحة من جانب بعض الكرد في سورية خلال سنوات الأزمة كانت مشاريع من جانب واحد وليس مسكوتاً عنها، إنما جرى ترتيبها تبعا للأولويات، وهو ما أعلنته الدولة السورية مرارا وتكرار وما أكدته جميع القوانين والاتفاقات الدولية التي تخص سورية وكان آخرها التأكيد على وحدة وسلامة واستقلال أراضي الجمهورية العربية السورية، في البيان الختامي لاجتماع أستانا الأخير.
إن القيام بانتخابات ما يسمى «النظام الفيدرالي الديمقراطي» التي تزمع «الإدارة الذاتية» الكردية إقامتها على أن تبدأ في ٢٢ الجاري، لن يتم الاعتراف بها ولا بنتائجها، وإن كانت الخطوة الثانية بعد تأسيس «الادارة الذاتية»، وكلها خطوات ضمن مشروع انفصالي، على أمل أن تستتبعها بخطوات انفصالية لاحقة.
الدولة السورية لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهتها، وستبقى عبارة عن خيال في أذهان بعض الكرد المتعطشين للسلطة، وسيرسم تحتها خط أحمر عريض من المنظور السوري.
ربما شكل طرح أكراد العراق لما أسموه الاستفتاء بشأن الاستقلال، حافزاً لأكراد سورية الانفصاليين على التمرد، وإذا كان بعض أكراد سورية يتحركون في حالة من الفوضى وخارج سيادة وأمن الدولة السورية، وفي زمن تمر به المنطقة بمرحلة تقاسم مصالح دولية، وهي بمجملها عوامل مثالية لمشروع انفصال، إلا أن الحاكم الرئيس لها هو المصالح الدولية ولعل ما يعزز وجهة النظر هذه هو قول وزير الخارجية الأميركي لنظيره التركي إن «بلاده تزود الأكراد بالسلاح خشية استمالة الروس لهم في حال امتناعها»؛ وهذا دليل على أن مكونات المنطقة ليست سوى آلية تجاذب وتفاوض بين الكبار، وأن الخريطة السياسية على الأرض يمكن أن تتبدل وبشكل مفاجئ، وقد كانت الموصل بعد الحرب العالمية الأولى من حصة فرنسا لبضعة أسابيع، ثم أصبحت من حصة بريطانيا، وبالتالي فإن الانخراط الكردي في خلافات الكبار لتحقيق مصالح سياسية مصيره الفشل.
لعل العامل البارز الدال على فشل المشروع الكردي هو تواجده في جغرافية تختلط هوية سكانها القومية والعرقية والدينية، كما ستعاني هذه «الكانتونات» من هشاشة نظامها الاقتصادي والسياسي، ومن رسوخ تحت وطأة المصالح الإقليمية، وهي كلها قنابل موقوتة تتحكم القوى الخارجية في ساعتها الزمنية، ولا تبعث على الاطمئنان في المدى المتوسط والبعيد وربما القريب أيضاً.
وإذا كان استفتاء أكراد العراق لن يحصل إلا بضوء أخضر أميركي، هو ما أثار شهية أكراد في سورية للانفصال، وأرسل لهم برسالة تدعوهم للتكتل والسير بالتوازي في ظل نظام عالمي قائم على التكتلات والتجمعات، فيجب عليهم أن يدركوا أن الهدف الأميركي هو القدرة على المزيد من التحكم بالمنطقة، وأن استقلال أي كيان كردي في المنطقة لن يؤمن لها هذا التحكم، بل ستوصل الجميع إلى حافة الانهيار في الوقت الذي تختاره.
من هنا يمكن فهم البرودة الأميركية في التعامل مع استفتاء إقليم كردستان العراق، حيث طالب البيت الأبيض الجمعة، إقليم كردستان العراق بالتخلي عن مشروع تنظيم استفتاء على الاستقلال في 25 أيلول الجاري، معتبراً أن إجراء هذا الاستفتاء سيكون خطوة «استفزازية» و«مزعزعة للاستقرار».
لعل المواطنة في دولة الحكومة المركزية هو الخيار الأكثر ضمانة لمستقبل الأكراد من مغامرة إنشاء كيان سياسي جديد، ستقع قواه السياسية بالضرورة تحت تأثير القوى الخارجية، وتزج بمجتمعه في صراعات ليس لها نهاية، وربما في حروب أهلية، وبالتالي يجب البحث عن حلول تتم ضمن الحضارة الواحدة لمشكلة واحدة، ويتمكن الجميع من الاندماج فيها.
يجب على القوى الكردية ألا تغلب العواطف القومية والجموح نحو السلطة على المصالح الحيوية للكرد ومستقبل أبنائهم، حيث ستجعلهم «الكانتونات» أشبه بمستوطنات الكيان الصهيوني.
وعموما، سيكون من المستحيل تقريباً على أي كيان كردي مستقل ضمان استمراريته، حتى في حال نجاحه، ولن يكون إلا شماعة يعلق عليها كيان الاحتلال الإسرائيلي تواجده في المنطقة.