بدائل الإرهاب: الاستفتاء والتطبيع

| بيروت – محمد عبيد 

فاجأ التحول الإستراتيجي السريع في مسار الحرب على الإرهاب في سورية والعراق المحور الدولي والإقليمي الداعم لهذا الإرهاب، على اعتبار أن هذا المحور كان يراهن على الاستفادة من الوقت المتبقي للنهاية المحتومة للإرهاب كمشروع استثماري للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وأتباعهما في المنطقة.
أيضاً كانت تأمل واشنطن أن يسمح لها ولأتباعها هذا الوقت المتبقي بإعادة ترتيب ملفات المنطقة وفق توزيع جديد للنفوذ فيها يضمن مصالحها أولاً ومصالح حليفها التاريخي والإستراتيجي: الكيان الإسرائيلي ثانياً، ليبقى الفُتات للأتباع الآخرين من الأنظمة الخليجية الذين جندوا الإرهابيين ومولوهم، إضافة إلى النظام التركي الذي تكفل بالتدريب والتجهيز وتسهيل المرور إلى الداخل السوري. لكن هذه الآمال سرعان ما تهاوت مع الاندحار السريع لتنظيمي داعش والنصرة والمجموعات الأخرى الإرهابية المرتبطة بهما على أكثر من جبهة، وخصوصاً في دير الزور وصولاً إلى الحدود العراقية وريف حماة امتداداً إلى الحدود الإدارية لمحافظة إدلب. كذلك سقطت معها احتمالات فرض أي شكل من أشكال التقسيم للجغرافيا السورية كما مشاريع الكانتونات المفترضة التي سعت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لتأسيسها في إطار فيدرالي أو كونفدرالي أو تحت عناوين براقة، كحق الشعب العربي السوري في تقرير مصيره واختيار النظام الذي يريده في مرحلةٍ انتقالية مُفترضة كما جاء في بنود جنيف1!
ولأن المتابعة الإسرائيلية للوقائع المتدحرجة في سورية وتيقن قيادة العدو الإسرائيلي الأمنية والعسكرية من قرب إعلان هزيمة الإرهاب ورعاته في سورية والعراق، ومن ثم تثبيت صمود وانتصار محور المقاومة انطلاقاً من سورية والعراق. وفي ظل عدم تمكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من وضع مقاربة واضحة ومجدية للتعاطي مع الأزمة في سورية والعراق معاً، سارعت القيادة الإسرائيلية إلى التحرك باتجاهين لاستباق تداعيات ذلك الانتصار على مصالحها بالتحديد وتقديم نفسها مجدداً كضامن للنفوذ الأميركي في المنطقة كذلك لبقاء أنظمة دول الخليج وأمنها، الاتجاه الأول: دفع مسعود البرزاني وحزبه إلى اقتناص الفرصة الأخيرة أمامه لتكريس استقلال كانتونه والانفصال التام عن الدولة العراقية «الاتحادية»، في خطوة تهدف إلى إعادة خلط أوراق جغرافيا دول محور المقاومة وتعقيد الحلول فيها، إضافة إلى تفويت إمكانية تثبيت الانتصار المذكور وتعزيزه من خلال منع إعادة الوحدة إلى البنية الاجتماعية-السياسية العراقية وانسحاب ذلك على الواقع السوري. والأهم في هذا التوقيت الحساس صرف أنظار الرأي العام العالمي عن جدية محور المقاومة ومعه الحليف الدولي روسيا في محاربة الإرهاب ونجاحه في إلحاق الهزيمة به وإشغاله بتحديات جانبية ومؤجلة لكنها أساسية وخطرة، والمفارقة أن مشروع الانفصال هذا يتم بتمويل سعودي-إماراتي مشترك وفق العديد من المعلومات المتداولة في الكواليس الديبلوماسية.
الاتجاه الثاني: مسارعة قادة كيان العدو الإسرائيلي للاستفادة من اليأس الذي بدأ يصيب أنظمة دول الخليج نتيجة عدم قدرتها على تحقيق مشاريعها في دول محور المقاومة ومن ثم ازدياد أوهامها حول تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. وفي خطوة استباقية، حرضت إسرائيل صهر ترامب ومبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط جاريد كوشنر على زيارة حكام الخليج ودفعهم بالترغيب والترهيب للانتقال المباشر إلى التطبيع العلني معها، أو بالأصح إعلان التطبيع القائم سراً وتعزيزه من خلال التبادل الديبلوماسي والزيارات السياسية والشعبية المفتوحة، على أن يتم إثر ذلك البحث عن حلٍ ممكنٍ للفلسطينيين يلعب فيه هؤلاء الحكام الدور الأبرز من خلال تواصلهم العميق والودود مع القيادة الإسرائيلية، وما التصريحات التي أطلقها ملك البحرين سوى البداية لكسر الحاجز النفسي العلني أمام إطلاق حملة التطبيع المطلوبة مع كيان العدو.
لاشك أننا أمام صراع سيطول أو أنه لن ينتهي كلياً بالقضاء على الإرهاب الموصوف بداعش والقاعدة ومن معهما من التسميات الأخرى، لأن الرعاة الدوليين والإقليميين الذين أوجدوه لن يقروا بالهزيمة المطلقة والناجزة، بل إنهم سيبتدعون بدائل أخرى وقضايا جديدة لإشغالنا عن تمتين جبهة المقاومة والسماح لدولها وشعوبها أن تنعم باستقرار داخلي يُمَكِنُها من الاستعداد والتفرغ للمواجهة الأهم ضد العدو الإسرائيلي بشكل مباشر وليس ضد هؤلاء البدائل.