من دفتر الوطن – مكافآت…

| وضاح عبد ربه

في دردشة منذ أشهر مع عدد من الأصدقاء، وهي بطبيعة الحال حول الحرب والأزمة، كما هو حال كل الدردشات هذه الأيام، طُرحت فكرة, غير قابلة للتنفيذ للأسف كما هي أغلبية أفكارنا أيضاً, ملخصها منح «وسام شرف» لكل مواطن سوري لم يغادر سورية طوال فترة الحرب، وتحمّل ويلاتها من حصار وتقنين في الماء والكهرباء والغذاء، وعانى الغلاء والفوضى والسير تحت قذائف الإرهاب، وعاش حالات الرعب اليومية والذل ، وكل ما أنتجته وأفرزته هذه الحرب القذرة من مأساة.
تطور النقاش، وبدأنا كعادتنا نحن السوريين، نقسّم سوريي الداخل إلى فئات، ووصل بنا الحديث وبعض الأفكار التي طرحت والأمنيات، إلى ضرورة صناعة تمثال لكل أبطال الحرب في القوات المسلحة السورية، حماة الديار، لتخليد أسمائهم وحفظها في ذاكرة السوريين كي لا ينسوا يوماً من كان يحميهم، وهم آمنون في ديارهم.
تطور النقاش أكثر فأكثر، إلى أن وصلنا إلى الشهداء وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وكل من يستحق منا، ليس التحية والتقدير والأوسمة والتماثيل فقط، بل الانحناء التام إكراماً وإجلالاً لتضحيات فلذات أكبادهم وأحبائهم الذين من دون تضحياتهم وما قدموه ما كانت ولا بقيت سورية، وهؤلاء يستحيل مكافأتهم وتعويضهم لفظياً ولا معنوياً، ووجدنا أن الحل الوحيد لإكرامهم هو في الحفاظ على سورية التي استشهد أبناؤهم من أجلها.
خلال النقاش، تعرضنا لكل فئات الشعب السوري الذي صمد طوال السنوات الست الماضية، وهذا لا يعني أننا ننتقص من حقوق الذين غادروا هرباً من القتل والدمار والإرهاب، فواجب علينا احترامهم واستقبالهم والتخفيف من مصائبهم، لكن محور النقاش، كان محصوراً بالذين رفضوا مغادرة سورية، وتحمّلوا ما تحملوه من مصائب طوال فترة الحرب التي نرجو أن تكون شارفت على الانتهاء.
فمنهم من بقي في سورية لأنه لا يملك إمكانيات العيش خارج الحدود، ومنهم من لا يريد أن يذوق الذل في مخيمات تركيا ولبنان والأردن، وآخرون، وهم أغلبية، رفضوا المغادرة لأنهم ببساطة كانوا يؤمنون بسورية وبالجيش العربي السوري، وكانوا متمسكين بأرضهم وهويتهم، حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، علماً أن عدداً كبيراً من هؤلاء كان يمتلك كل الإمكانيات اللازمة للعيش حياة رغيدة خارج سورية ، ويملك جوازات سفر أجنبية، لكنهم رفضوا الخروج وبقوا ملتصقين بسوريتهم.
ومع تطور الحديث وتشعباته، وصلنا إلى تلك الفئة التي لم ترفض الخروج من سورية فقط، بل أصرت على البقاء والعمل والإنتاج، ومن بينهم موظفون وعمال وصناعيون، وكتاب وصحفيون ودبلوماسيون ورجال أعمال ورجال دين وكثيرون، فهؤلاء كانوا سوريين بامتياز، وربما سيكون من الصعب إنصافهم يوماً ما لما قدموه من دعم ومؤازرة للقوات المسلحة وللقيادة السياسية، وكان لصمودهم جميعاً الأثر الأكبر في الانتصار على الإرهاب وثقافة الإرهاب ودماره، وفرضوا بعملهم وعلمهم وتفانيهم ثقافة الحياة التي طالما اشتهر بها السوريون.
ومن خلال تصنيفنا لسوريي اليوم، وصلنا إلى فئة مهمة للغاية، تلك التي تم تقديم كل الإغراءات لها، من مال وفير وقصور وإقامات وجنسيات لتغادر سورية ورفضت. وهذه الفئة هناك حيرة حقيقية حول كيفية مكافأتها،في حال كان هناك مكافآت، فلا الوسام يكفي ولا التمثال، ولا كل عبارات التقدير لموقفهم النبيل والوطني، ولم نصل خلال النقاش إلى أي مكافأة يمكن أن توازي عشقهم لوطنهم وتمسكهم بسوريتهم.
وإذا فنَّدنا أكثر وأكثر،وهذه من عاداتنا، نجد من بين هؤلاء من عوقب على موقفه وعلى سوريته، ومنهم من فقدوا فلذات أكبادهم، وآخرون تعرضوا للتهديد والوعيد بالقتل، ومع ذلك بقوا مستمرين علانية بتأكيد من مواقفهم ومن دون أي تردد أو خوف، وتحول هؤلاء مع الزمن إلى قامات وطنية لها مصداقيتها وجمهورها ووزنها وحضورها في الداخل كما في الخارج، وأصبحوا مضرب مثل في الصمود والتحدي والصبر على البلوى والإيمان المطلق بالنصر.
وأبحرنا أكثر فأكثر بالحديث الذي محال أن ينتهي، فوصلنا إلى نتيجة أنه ليس كل من بقي في سورية، بقي حرصاً عليها وحباً بها،
قد يكون بيننا من بقي لتنفيذ أجندات أجنبية تخريبية في المجتمع وفي الاقتصاد، منهم خلايا إرهابية على سبيل المثال، ومنهم من أوكل إليه دور أو أدوار لترويج الشائعات أو الأكاذيب، وآخرون ربما بقوا للانقضاض على الشخصيات والقامات التي سبق أن ذكرناها.
من بين هؤلاء من كوّن ثروات نتيجة الحرب ولم يكن يكترث لسورية ولا للسوريين، ولم يكن له أي موقف إيجابي تجاه وطنه، ولم ينتج شيئاً، ولم يخسر أحداً، ومن ويلات الحرب،باعتقادي، إطلاق لقب «رجل أعمال» بدلاً من لقب «تجار الحرب»!
منهم من بقي في سورية ليستغل فوضى الحرب، فتاجر بدماء السوريين وتضحياتهم، وآخرون تاجروا بقوتهم، وهناك فئة أبدعت في الفساد والسرقة، وهؤلاء جميعاً لا يمكن أن يكافؤوا يوماً، ولا يمكن أن يبارك مالهم المنهوب من جيوب الشعب الصامد.
سبب كشفي ونشري هذا الحديث الآن، ليس لفرز السوريين أو تصنيفهم أو توزيع أي نوع من أنواع شهادات الوطنية،معاذ الله، سببه هو ما نشهده اليوم من هجمات شرسة على قامات سورية، وعلى شخصيات وطنية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أجزم أن من يقف خلفها ينتمي إلى تلك الفئة التخريبية التي بقيت في سورية لأهداف محددة مسبقاً، ومنها النيل من شرفاء سورية ومعاقبتهم بدلاً من مكافأتهم! ولن أبالغ إن وصفت هؤلاء بأنهم أخطر من الذين خرجوا ورموا بأنفسهم في أحضان أعداء سورية، وخانوا وطنهم طمعاً بالمال أو إيماناً بالعودة على ظهر دبابة أميركية ليكونوا عبيداً لأسيادهم.
لكن ما يدعو للتفاؤل ويستوجب تحية السوريين، هو هذا الالتفاف الشعبي حول من تتم مهاجمته على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن السوريين ليسوا بأغبياء ويدركون جيداً من يجب أن يكافأ ومن يجب أن يعاقب، والغبي الوحيد هو ذاك التيار الذي يعتقد أنه يختبئ خلف أسماء وهمية ومواقع مزيفة، ويظن أنه قادر على زعزعة ثقة الناس بمن أحبوهم، وكي يرتاح هذا التيار الغبي ولا يكلف نفسه مزيداً من التعب والجهد والمال، أقول: هناك شخصيات في سورية يمكن أن يُسألوا عن أخطائهم، في حال ارتكبوا أياً منها، لكن بعد الخطأ الألف، لأن ما قدموه لسورية لا يقدر بثمن، ومن لم يرتكب خطايا كبرى لا يمكن له أن يرتكب الصغرى، فكفى تهماً وتشهيراً وقدحاً وذماً، ودعونا نقدس سوريتنا التي تنتصر الآن بهمة رجالاتها وشعبها الصامد الذي يستحق كل التحية والاحترام.