من شابه أباه ما ظلم

| عبد المنعم علي عيسى

حصلت قطر على استقلالها في 3 أيلول عام 1971 تحت حكم الشيخ أحمد بن علي آل ثاني الذي آثره أبوه على ابن أخيه خليفه بن حمد، إلا أن الأمر لم يرق لهذا الأخير فانقلب على ابن عمه قبيل أن يتم هذا الأخير شهوره الخمسة في السلطة، لتشهد العائلة صراعاً على الحكم بين فرعيها اللذين بدا كل منهما يصب جهوده في كسب المضافات والتألق في خيم الأفراح والعزاء التي كانت تمثل الساحات التي تتحدد فيها موازين القوى وزعامات الأفراد.
دخل المال والنفط بقوه ليحدثا تغييراً سريعاً في طبيعة الحياة السياسية القطرية وليكتشف الطرفان أن العامل المحدد لوجود أي منهما في السلطة بعد الآن، هو قبول الخارج به ودعمه إياه، فما حدث كان كفيلاً بنسف تأثير السجالات التي تحدث في سهرات العزف على الربابة وقرض أشعار الغزل والمديح من جذورها، فرضت هذه الحالة على جيل الأبناء مفاهيم جديدة، فلمسوا تراجع دور مواصفات شيخ العشيرة – الدولة، لمصلحة إمساك هذا الأخير بعقود النفط والغاز فيها، وهو ما أدركه مبكراً حمد بن خليفة ابن الأمير وولي عهده، فوضع يديه عليها حتى إذا ما غادر الأول، أي الأمير، إلى سويسرا، قطع التلفزيون القطري بثه بشكل مفاجئ في 27 حزيران 1995 ليعرض لقطات لشيوخ وأعيان الإمارة وهم يسلمون على ولي العهد الذي أضحى أمير البلاد منذ ذلك اليوم، وفي الوقت الذي وصف فيه الإعلام الرسمي ما يجري على أنه بيعة للأمير الجديد قال موالو المعزول: إن الأمر لم يكن يتعدى سلام شيوخ العشائر على ولي العهد الذي دعاهم إلى حفل رسمي مفاجئ.
كان لصعود حمد إلى السلطة معارضون في الداخل والخارج، فقد ارتأى أبناء الأمير الجديد أن ما جرى كان بتدبير زوجة أبيهم الرابعة موزة بنت المسند التي ستعمل بالتأكيد على تهميشهم أو إبعادهم لاحقاً، ليتلاقى هؤلاء بمتضررين في الخارج ارتأوا أن صعود حمد كان رهناً بصلات دولية تريد الإمساك بسوق النفط والغاز الذي أضحى بعد اتفاقية «كيوتون» عام 1992 العنصر الأهم المستخدم لإنتاج الطاقة عالمياً، ومن ثم تغيير موازين القوى القائم في الخليج والمنطقة.
سرعان ما خرج الأمير فهد، النجل الأكبر لحمد، على أبيه يريد الانتصار لجده المظلوم كما قال، وليعلن عن عزله لأبيه مدعوماً بقوات عسكرية سعودية إماراتية، لم تستطع تغيير ميزان القوى لمصلحة الانقلابيين، على الرغم من أن القوات السعودية كانت قد دخلت الأراضي القطرية حتى أضحت على مشارف الدوحة، قبيل أن تأتي الإشارة من وراء الأطلسي وهي تحمل عبارة وحيده تقول: ليعد كل إلى مكانه لقد انتهى كل شيء.
شعرت الشيخة موزة بسطوتها بعد إخفاق الانقلاب، فراحت تمهد الطريق أمام أولادها عبر إبعاد أولاد زوجها من زوجاته الثلاث اللواتي سبقنها، فجرى تعيين ابنها البكر جاسم ولياً للعهد عام 2003، إلا أنه كان لهذا الأخير، كما يبدو، ملاحظات عديدة على سلوك أمه وظهورها مع غرباء، واعترض عليها مراراً، فعاقبته بتعيين شقيقه الأصغر تميم ولياً لعهد أبيه عام 2004، وهو لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره بعد.
دفعت الشيخة موزة بابنها نحو الإمساك بالمزيد من مفاصل القرار، ولأن المعطيات كثيراً ما تغيرت، فقد ذهب تميم نحو الإمساك بعقود التسليح ومشتريات الأسلحة التي كانت قد بلغت أرقاماً خيالية هي أشبه بالإتاوة منها إلى الشراء، والتي أفرزت لوبياً قطرياً صغيراً داخل «البيلدربيرغ» أي المجمع الصناعي الحربي الأميركي في واشنطن، وبات داعماً لولي العهد، بعدها ابتدأت الضغوط على أمير البلاد وسرعان ما اكتشف هذا الأخير أن الكثير من مستلزمات الحكم ليست متوافرة بين يديه، وعندما نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريراً في شباط 2013، ذكرت فيه أن أمير البلاد سوف يتنازل لابنه ولي العهد عن الحكم في الصيف القادم، عندها كان قد تقرر داخل العائلة الحاكمة القطرية بأن يقوم الأمير بالتنازل عن العرش، كيلا يضطر ابنه إلى الانقلاب عليه، فيوصف الأبناء القطريون بـ«العقوق» تجاه آبائهم، أو يقال من «شابه أباه ما ظلم» وهو ما رضخ حمد إليه ليتنازل لابنه عن الحكم في 25 حزيران عام 2013.
بدأ تميم يتحسس الحكم من جديد، ليكتشف أن هناك الكثير مما لم تقله أمه، فهو يتحكم بناتج قومي يصل إلى 250 مليار دولار سنوياً، وبصندوق سيادي يحوي 4,3 تريليونات دولار بحسب إحصائيات عام 2016، وبذا فقد بدأ التخلص من خناق أمه رويداً رويداً، وفي الآن ذاته راح يعمل للتخلص من وصاية الحمدين، أي أبيه وحمد بن جاسم الذي ترك رئاسة الوزراء مع هذا الأخير، فبرزت في الحكم ثلاثة تيارات خرجت إلى العلن إبان أزمة سحب السفراء الخليجيين من الدوحة في شباط عام 2014، إلا أن تضارب آراء التيارات الثلاثة بخصوصها قد أدى إلى فرض إرادة تميم الذي كان يرى أن الرياض التي تفاوض بلاده بشأن إعادة السفراء إليها، إنما تقوم بذلك ستاراً لعمل سري آخر تقوم به بالتزامن مع المفاوضات التي تجري في الأضواء وأمام كاميرات الفضائيات، لتثبت تلك الرؤيا صحتها آجلاً.
في أعقاب الإعلان في الدوحة عن اعتقال 17 متورطاً من آل ثاني متهمين بتدبير انقلاب في البلاد يوم 16 تشرين الثاني عام 2013، أعادت الرياض وحلفاؤها سفيرها إلى الدوحة في اليوم الذي يليه.
بدأت عقدة البالون المنفوخ الناجمة عن إحساس ضيق الجغرافيا أمام الطموحات، تظهر، فراحت دوحة تميم تعمل على إسقاط حكم آل سعود، ومعه إسقاط حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي جاء بانقلاب تموز 2013 مدعوماً منهم، وعلى مدى أربع سنوات فشلت القاهرة والرياض في ترويض الدوحة أو احتواء طموحاتها، فكانت فبركة البيان المنسوب إلى الأمير القطري في 24 من حزيران الماضي التي تمت بأيدي إماراتيين، كما أعلنت واشنطن التي فضحت الأمر بعد أيام على حدوثه، في مؤشر يؤكد أنها كانت تدعم الهجوم الرباعي ضد قطر كنوع من الضغط عليها لا لإسقاط نظامها، وهو ما تلقفته الدوحة سريعاً حيث قام وفد قطري بزيارة عاجلة إلى واشنطن في تموز الماضي ووقع فيها عقوداً لشراء أسلحة بلغت قيمتها 60 مليار دولار، وفي مواجهة ذلك رفضت الدوحة جميع شروط دول الحصار ما عدا التفاوض، مستندة إلى الظهيرين التركي والإيراني، بعدما أصيبت واشنطن بـ«خفر العذارى»، ولن يطول الوقت حتى تكتشف تلك الدول أن الحصيلة هي صفر.
يمثل البيان الذي أصدره عبد اللـه بن علي، شيخ الفرع الثاني لآل ثاني الذي خسر السلطة منذ السبعينيات في 17 أيلول الجاري، خيبة أمل سعودية كبرى وحالة إفلاس سياسية تبدو فيها المخاطر تقبل من كل حدب وصوب نحو المملكة، والذي يثير الإشفاق فعلاً هو التغطية التي حظي بها ذلك البيان، فقد كانت وسائل الإعلام السعودية تصور الأمر على أن كل شيء قد انتهى في قطر والواجب الآن هو الحديث عن مرحلة ما بعد تميم.
حكمت السياسة القطرية على مدى ما يقرب من خمسة عقود، عقد عديدة مثل «عقوق» الأبناء المتكرر، ثم جاءت «عقدة البالون المنفوخ»، على حين تلوح اليوم في الأفق عقده أخرى قيد التشكل هي عقدة «بروميثيوس» الذي سرق النار ليوقدها على جبل الأولمب.