تمنيت يا هند

كنت أحلم وبنيت مملكة من الأمنيات أراها بوجهك منذ طفولتك، وفي كل مرحلة من مراحل حياتك كنت أتابع ذلك البريق في عينيك، عندما كنت تذهبين للمدرسة، ثم عندما دخلت الجامعة ثم التخرج. سكبت عيناي الدموع مرتين، مرة عندما حملت شهادتك الجامعية الطبية من جامعة دمشق، والمرة الثانية في خطبتك. هذا اليوم الذي أبارك لك فيه ما ارتضيت أن يكون لك بمحض إرادتك. اليوم سيزين خاتم خطبتك أناملك وأراك الأميرة التي حلمت بها طوال حياتي، أراك ملكة الفراشات في حدائق الدنيا. خاتمك ذاك أيقظ شريط الذكريات المعمد بدمعة فرح تسكبها عيناي. يا أميرتي الوحيدة التي نثرت ألوانها على كل جدران منزلي، وطالما احتفظ بعبق عطرك في زواياه، وثنايا أثاثه، في خزانتك، في ثيابك، وفي كل نسمة تعبر نافذة غرفتك. هذا العبق الذي كان يمتلكني بمشاعر أب يتماسك أمام عاطفته عندما يسمع صوتك منادياً (بابا).
رحبت بقرارك لثقتي بقدرتك وما تملكينه من وعي لرسم مسار مستقبلك، قرارك بالارتباط بمن اخترت أيقظني من حلمي لأعيش الواقع، ها هي تلك الأميرة الصغيرة التي ملكت روحي وعقلي سأراها عروساً تزين بابتسامتها كل لحظة في حياتي، أتيتك من بلدي (سورية) إلى بلد غربتك حاملا معي عقداً من ياسمينها وصندوقاً من خشب زيتونها وخاتماً من ترابها وعطراً من ليمونها، لم أجد أثمن من تلك الهدايا لأقدمها لك، فرائحة الوطن وياسمينه أغلى ما يمكن للإنسان أن يمتلكه، وبالذات عندما لا يتخلى عن الانتماء لذلك الوطن.
تمنيت يا هند أن يكون الفرح في بلدنا سورية فلم أكن أتخيل في حياتي أن أبتعد أنا وأنت آلاف الكيلومترات عن بلدي عن الأرض التي كتبنا عليها ذكرياتنا، عن تلك الشوارع التي مشيتها مع أصدقائك، وكان لك فيها أجمل ذكريات الطفولة والشباب، كنت أرفض فكرة أن أقيم فرحك من دون حضور كل من تخرج طبيبا معك، أو كل من كان صديقا لك إلا أن المخاض الأليم الذي يعيشه وطننا حال دون تحقيق هذه الأمنية، نعم يا أميرتي فشعورنا بألم بلدنا حتى ونحن بعيدون عنه نعيش لحظات سعيدة حلمنا بها نتمنى لهذه اللحظات أن تمتزج بفرح وسلام يعم بلدنا المجروح.
تمنيت يا هند أن يكون الفرح في سورية يجمع الأقرباء والأصدقاء والأحباب، ليكون الفرح شاملاً، تمنيت أن أسمع في فرحك أهازيج بلدنا وقصائد تراثنا وزغاريد بيئتنا، تمنيت أن أرافقك في أسواق الشام وحلب وحمص لتنتقي ما شئت من لوازمك، تمنيت أن أمسك يدك ونعبر حدائق الشام لأصل بك إلى قمة قاسيون محلقين في فضاءات مملكة الياسمين وأميرة السلام دمشق، تمنيت يا هند وحلمت إلا أن جرح بلدنا حال دون تحقيق ذاك الحلم الذي طالما انتظرت تحقيقه، تمنيت أن أسمع أجراس الكنائس تقرع فرحا بك، تمنيت أن أراك تصعدين ذاك الدرج العريض في بيتنا هناك في الجبال والذي حلمت بك عروسا تتخطينه درجة تلو أخرى، ويداك بيدي أخويك مجد وورد، خيالي هذا عشته منذ أن رسم الدرج على الورق قبل تنفيذه، حلمت وتمنيت وها أنا ذا أعيش واقع ما حلمت إلا أن المكان قد تغير، ولكن الجزء المهم من خيالي بقي وهو أنت، والأهم من كل ذلك ابتسامتك والفرح الذي يشع من عينيك عوضني عن كل ما أحبط من أحلامي فأنت أساس حلمي الذي تحقق بك وبفرحك.
نعم يا غاليتي ستقفين أمامي لأرى سورية بلدنا بنقائك وصفائك وأناقتك برائحة عطرك بجمال وجهك ونعومة يديك، نعم تتجسد سورية أمامي بكل زهورها وفراشاتها وأشجارها ونهرها وجبلها شامخة كشموخك، تتجسد سورية أمامي بسلامها وأمنها وأمانها.
أبارك لك خطبتك متمنيا لكما السعادة، واسمحي لي أن أعهد لك بأمانة، لا تنسي يا هند مهما ابتعدت أن لك بلداً له أفضال عليك، أكلت من قمحه وشربت من مائه ونهلت من علمه، وتذكري أن تاريخك فيه، ودائما ردديها أمام الجميع أنك من وطن خرجت منه حضارات الدنيا، أنه في الشرق ولولا الشرق لما أضاءت شمس في سماء الأرض، هي سورية الجديرة والمستحقة لأن تكون مصدر اعتزاز لك ولإخوتك أمام كل العالم، وليكن الشاعر نزار قباني في ذاكرتك حين قال للشام:
هذي البساتين كانت بين أمتعتي
لما ارتحلت عن الفيحاء مغتربا
فلا قميص من القمصان ألبسه
إلا وجدت على خيطانه عنبا
بارك اللـه لك ولباسم ما بدأتما به.

والدك – عامر شهدا