التراجع الأميركي والتحريض الإسرائيلي على التصعيد

| تحسين الحلبي 

يشير سجل العمل السياسي الأميركي في السنوات العشرين الماضية إلى عدم وجود أي تغيير يذكر على الخطوط الأساسية للإستراتيجية الأميركية في علاقاتها مع الأصدقاء أو مع الأعداء، ويبدو من الواضح أن أهم وزارتين تحددان للرئيس الأميركي دونالد ترامب كيفية تطبيق هذه الإستراتيجية هما وزارتا الخارجية والدفاع مع تعاون مجلس الأمن القومي بينهما، وهذا يعني أن كل موقف سياسي يعلن عنه ترامب يكون نتيجة اتفاق بين وزيري الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جيس ماتيس، فترامب تنقصه حسب معظم آراء المحللين السياسيين الأميركيين والأوروبيين، الخبرة في إدارة السياسة الخارجية وهي غالباً يرافقها التدخل العسكري المباشر وغير المباشر والعقوبات على هذه الدولة أو تلك أو الحصار أو التحالف مع هذه الدولة أو تلك، وهذا ما يجعل تيلرسون وماتيس أكبر ممثلين لمصالح الصناعات العسكرية والتكنولوجية والبترولية التي تتصدر أسواق العالم والنزاعات الإقليمية.
في هذه المواضيع يرى رئيس تحرير المجلة الإلكترونية «أنتي وور» الأميركية جوستين ريموندو أن ترامب بدأ يدرك أن اللعبة مع كوريا الديمقراطية معقدة، وأن وزارة الدفاع نفسها تؤكد له أن أي عمل عسكري مباشر ضد أي تجربة للصواريخ والتفجيرات النووية سيؤدي إلى محو عاصمة كوريا الجنوبية سيئول بصواريخ كوريا الديمقراطية، وهذه المدينة يزيد عدد سكانها على مليون نسمة علماً أن كوريا الجنوبية ما تزال ترسل المواد الغذائية كمساعدات لكوريا الديمقراطية بعد تشديد الحصار عليها وإعلان الرئيس كيم جونغ أون أنه لن يتحمل تجويع أطفال بلاده جراء هذا الحصار والعقوبات المتزايدة.
هذا يعني أن واشنطن عاجزة عن حماية حلفائها وأن الرئيس كيم جونغ أون لن يتنازل عن قدرة الردع التي حققها، لأنه كما يقول ريموندو، يعرف أن القوات الأميركية دمرت في حربها في شبه الجزيرة الكورية معظم مدن كوريا الديمقراطية بنسبة 80 بالمئة إلى 90 بالمئة ولن يسمح بتكرار ذلك.
في موضوع الشرق الأوسط والتهديد الأميركي المتصاعد لإيران، فيرى بعض المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية أن أي حرب تضطر واشنطن لشنها مباشرة على دولة إقليمية كبيرة مثل إيران، لا يمكن أن يضمن أحد سرعة انتهائها أو تحقيق الأهداف الأميركية فيها، لأنها ستمتد إلى جوار عراقي يعرض المصالح الأميركية في حجمها الراهن في العراق لخطر التدهور، وربما يؤدي ذلك إلى زيادة توسيع دائرة الحرب إلى مناطق حلفاء الخليج حتى لو بقيت الحرب في إطارها الأميركي الإيراني ولم تتسع لتشمل روسيا.
لكن أكثر ما يقلق واشنطن في الشرق الأوسط هو أن الأطراف أو القوى المناهضة لها مثل إيران وسورية وحزب الله وأحزاب عراقية أخرى، ما تزال قدراتهم تزداد، وكلما ازدادت فرض ذلك صعوبات في مواجهتها أو في إيقاف زيادة قدراتها، فالمؤشر الصاعد لعلاقات هذه الأطراف مع روسيا وتصدير الأسلحة الروسية لها لا يمكن أن تسكت عنه واشنطن خصوصاً حين ترى في المقابل أن الدول المتحالفة معها مثل السعودية، لا تشكل أي وزن مقابل إيران وحلفائها، رغم أن واشنطن تبيعها الأسلحة بمئات مليارات الدولارات.
السؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذه المعادلة: هل تستطيع دول مثل تركيا والسعودية ودول الخليج أن تستمر في البقاء على هذا النحو ما دامت واشنطن لم تستطع إيقاف تدهور استقرارها الداخلي أو إخفاقاتها في الحروب التي شنتها؟
يبدو أن روسيا نفسها تدرك في حمايتها لحلفائها في المنطقة، أن الزمن لم يعد يعمل لمصلحة ما يمكن أن تفرضه واشنطن من حلول أحادية يضعها تيلرسون وماتيس لترامب، وأن التقارب بين بعض هذه الدول وموسكو يسجل خسارة للولايات المتحدة، وتزداد خطورة هذه الخسارة حين تجد الإدارة الأميركية أنها عاجزة عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولذلك تتهم القيادة الإسرائيلية ترامب بالتراجع والتخبط في سياسته في المنطقة وهي تدرك أنها ستكون من أول المتضررين في سياستها التوسعية إذا استمر هذا التراجع، وهذا ما يجعلها تسعى إلى توريط ترامب لتصعيد تهديداته العسكرية لإيران، وهو جدول العمل الذي تنشغل فيه القيادة الإسرائيلية لكيلا تزداد سورية قوة من خلال حلفائها الإقليميين، ولعل هذا ما يفسر التحرش الإسرائيلي العسكري بين فترة وأخرى بسورية، والذي ستجد له سورية وحلفاؤها الردع المناسب.