تبعات الهزيمة

| عمار عبد الغني 

ربما يكون الاعتراف بالهزيمة أصعب بكثير من الهزيمة نفسها على من اعتقدوا أن بالقوة العسكرية الكاسحة والأذرع الإرهابية وسطوة المال، يمكن أن يسقطوا أوطاناً ويفصّلوا أنظمة على مقاس مصالحهم.
ذلك حدث في الحالة السورية، ففي وقت تضع فيه الحرب أوزارها، يعمل محور المنهزمين في الغرب والخليج، على تفادي الهزيمة الكبرى من جهة، وتدارك السياسات الخاطئة التي جعلت العالم يقف على حافة الهاوية، بعد أن استشرت ثقافة الإرهاب وباتت ارتداداتها تهدد من دعم وسلح ومول التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، ليسارع إلى طبخ حلول على عجل عله يظهر بهيئة المنتصر أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر.
وبناء على ذلك، وجدنا الإدارة الأميركية تضع على رأس أولوياتها مكافحة الإرهاب، ولكنها تعمل في الوقت ذاته، على تبديل مسميات تلك التنظيمات التي تقاتل في سورية، وخاصة الموضوعة على لائحة الإرهاب الدولية، في محاولة لإبقائها ورقة تلعب فيها للخروج بحلول وسطية، على حين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تعرضت بلاده لعدة هجمات إرهابية، والقادم ربما يكون أعظم، بدا وكأنه يريد أن يغسل يديه نهائياً من المشروع الإرهابي الذي ترعاه واشنطن، فكان حديثه واضحاً في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما دعا المجتمع الدولي للاعتراف بأخطاء سياساته، مطالباً بتشكيل مجموعة اتصال حول سورية لوضع إستراتيجية واضحة لمكافحة الإرهاب.
تبقى الطامة الكبرى في الخليج، فهم ليسوا قادرين على التخلي عن تمويل التنظيمات والميليشيات التي ورطوها في الحرب، ارتياباً من انقلابها عليهم أولاً، وهلعاً من خروج سورية من أزمتها دون تبديل يذكر في نظامها السياسي ثانياً، ما يجعلهم يعيشون كوابيس الانتقام، ناهيك عن حربهم على اليمن وأزماتهم البينية ومع دول الجوار.
ولأن الغرب قد تعوّد أن يحمّل أعباء حروبه مالياً وسياسياً لدول الخليج، وهذا أمر يفرضه منطق القوة، فإن خسائره تقتصر على التضحية بكبش محرقة من الأدوات، وفي هذا السياق وقع الاختيار على قطر، ويريدون تحميلها وزر حروب السنوات السبع، وبالنتيجة باتت الأخيرة «وحدها» من تموّل التطرّف، وتؤوي على أرضها إرهابيين أو منتمين لحركات إسلامية محظورة، وهي أيضاً التي تتدخل في شؤون الدول الأخرى وتزعزع أمن المنطقة.. إلخ!
باختصار، يحاولون تصوير هذه المشيخة الصغيرة أنها سبب أزمات العالم، والمضحك أن السعودية باتت على رأس من يتهمون حليف الأمس بدعم الإرهاب.
لا شك أن قطر أحد الداعمين الرئيسيين للتنظيمات الإرهابية، لكنها لم تخط خطوة دون موافقة سيدها الأميركي أو دون علم بني سعود، وأخيراً تمت التضحية بها لتكون الحلقة الأضعف، غير أن المؤكد أنها لن تستسلم ببساطة، وربما تفتح الباب لأزمات وحروب جديدة في الخليج.
هذا ما تريده أميركا بالضبط، وهو اختلاق بؤر توتر جديدة تستنزف من خلالها ما تبقى من ثروات، بعبارة أخرى أميركا يمكن أن تفشل في تنفيذ مخططها كاملاً، لكنها لن تصل إلى حد الاعتراف بالهزيمة، ومسؤولية الفشل سيتحملها من ارتضى أن يكون تابعاً ومنفذاً دون قيد أو شرط، ما يعني أن الخليج مقبل على مرحلة من عدم الاستقرار، ربما ترسم الخطوط العريضة لنهاية عروشه المتهالكة.