أي ذراع يقطع أردوغان؟

| سامر ضاحي 

مع التطورات الميدانية واتساع دائرة الغربيين الناظرين بريبة لرئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان الذي مرر الإرهابيين إلى أوروبا والعالم ونفذ أعمالاً أدمت عواصم الغرب، بدأ أردوغان يتنبه إلى ما حذرت دمشق منه وهو «الإرهاب»، ليس لسوء الأخير بل لإخراج نفسه من محنة الحرج الدولي التي وقع فيها ولاسيما بعد تكشف الدعم القطري للتنظيمات القاعدية التي تحمل ذات الفكر الأردوغاني الإخواني.
مع هذا التحول، بدأ أردوغان يحث الخطا لإظهار نفسه كحمامة سلام في المنطقة، فانخرط في الترويكا الثلاثية عبر سلسلة محادثات أستانا التي وصلت في جولتها السادسة إلى اتفاق نص على إعلان «منطقة تخفيف توتر» في محافظة إدلب، وبموجبه ترتب على الميليشيات المنضوية مع «النصرة» في تشكيل «هيئة تحرير الشام» فك الارتباط عنها، لا بل محاربتها، لكن أين موقف أردوغان بعد كل الدعم السابق لـ«النصرة»؟
لا شك أنه ليس من السهل على أردوغان التخلي عن يده الممدودة لـ«النصرة» بسهولة وليس بإمكانه أيضاً التخلي عن يده التي تحمل شعار محاربتها، في ضوء اتفاق إدلب، فبدأ مشهد معقد يتبلور على الخط الفاصل بين إدلب ولواء إسكندرون المحتل من الأتراك عبر حشود عسكرية يحرص أردوغان على تكثيفها.
ترجيحات كثيرة أشارت إلى نية أردوغان اجتياح إدلب لا بل تحدث البعض عن عمل عسكري دولي مقبل على «النصرة» في المحافظة بقيادة تركية روسية، ولكن ثمة ما يمكن الاستناد عليه للتقليل من هذا الاحتمال.
السبب الأول هو ما نشهده من موجة اغتيالات في صفوف قياديات شرعية في «النصرة» وخاصة تلك التي استهدفت أجانبها، وهو ما يحيلنا إلى التوقع بأن أردوغان طلب من «النصرة» التحول إلى ميليشيا مقبولة دولياً، أو ما يحلو للغرب تسميته «معتدلة»، وهو ما وجده أجانب التنظيم بشكل أو بآخر تغييباً أو تحييداً لدورهم، فدخلوا في صراع مع متزعم «النصرة» أبي محمد الجولاني وقادهم في ذلك السعودي عبد اللـه المحيسني.
السبب الآخر هو الغارات المتعددة التي تطول قياديين في التنظيم ما يعزز الاحتمال السابق، بموازاة اتهامات للجولاني نفسه بتسريب إحداثيات بعض مواقع القياديين المناوئين له، وهو ما يوفر على أردوغان خسائر كثيرة لو تدخل.
السبب الثالث: التقدم الذي يحرزه الجيش العربي السوري وحلفاؤه ضد تنظيم داعش الإرهابي الذي أسقط بما لا يدع مجالاً للشك، كل ادعاءات الغرب بأن هذا الجيش لا يكافح الإرهاب، ومن ثم فهو الأكثر قدرة بدعم روسي شرعي، على القيام بعمل عسكري على «النصرة» حين يحصل توافق دولي، كما أن دمشق لم تحذر تركيا من التورط أكثر في سورية فحسب، بل طالبتها بسحب قواتها من المناطق الشمالية مؤكدة أنها قوات عدوانية، ولا مصلحة اليوم لأردوغان بزيادة توتير الأوضاع مع دمشق، إذا ما استقرأنا التسريبات التركية التي تحدثت عن جناح داخل نظام أردوغان نفسه يرغب في إعادة العلاقات مع دمشق إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
السبب الرابع: المخاض الذي تمر فيه ميليشيات الشمال والتوجه نحو توحيدها ما يعني أداة أردوغانية جديدة قد يستعملها ضد «النصرة» متجنباً أي خسائر في أرواح جنوده لو توغل في إدلب.
السبب الخامس: الأقل احتمالاً والأبعد عن الواقع، وهو ما تحدث فيه البعض عن احتمال وجود مراقبين دوليين في منطقة تخفيف التوتر وإمكانية أن يكون أتراك بينهم، وهو احتمال ما زال مرفوضاً بالمعايير التي تضعها دمشق.
السبب السادس: العلاقة غير الممتازة بين أنقرة وواشنطن ومن ثم لا يمكن لتركيا اليوم بتوتير الأجواء أكثر مع أميركا إذا ما دخلت إدلب، لأن أميركا ترغب في أن يتم تحرير المدينة على يد حلفائها من الأكراد.
تبقى مسألة الحشود على تخوم إدلب، فيمكن فهمها كعامل ضغط لتحقيق السيناريوهات السابقة، ومحاولة التجهز لأي انفلات قد تنجح به «النصرة» ولا سيما أن معركة «يا عباد اللـه اثبتوا» التي أطلقها التنظيم وحلفاؤها مطلع الأسبوع الجاري في ريف حماة الشمالي، بدا أنها كانت من التيار المناوئ لأردوغان داخل «النصرة»، ومن ثم يحتاج أردوغان إلى تهديد عسكري واقعي لـ«النصرة» إذا لم تنصاع لرغباته بانتظار أن يضع القرار النهائي بمصيرها، فهل يقطع يده الممدوة لها أو يقطع يده الممدودة للميليشيات؟ وهو ما يضعه في حيرة من أمره.
في مقابل كل الرهانات السابقة، لا يمكن التعويل على عدم حماقة أردوغانية بالدخول إلى الأراضي السورية، وهو ما سيجلب له بالتأكيد خسائر كثيرة يحاول اليوم تجنبها.