الاستفتاء الكردي: حلم قومي يتحقق أم عبث أميركي؟

| فارس رياض الجيرودي 

من الخطأ النظر لخطوة الاستفتاء الذي نظمته الحكومة الفيدرالية في إقليم كردستان العراق ضمن السياق الذي تحاول النخبة الحاكمة في أربيل تقديمه لجمهورها من خلاله، أي سياق النضال من أجل استكمال نيل الحقوق القومية للشعب الكردي، الحقوق التي حرمته منها خرائط الاستعمار الغربي عقب سقوط الدولة العثمانية، فالشعب الكردي في العراق نال سلفا أقصى ما يمكن أن تناله أي مجموعة عرقية في العالم من حقوق قومية، بما في ذلك الجيش المستقل و«الحكومة» والبرلمان الخاصان بالإقليم، وحقوق تنظيم ميزانية مستقلة تماما عن ميزانية الحكومة العراقية المركزية وإن كانت تستفيد من نصيب منها، ذلك رغم الاستئثار بكامل موارد الإقليم، كما تستقبل حكومة أربيل قنصليات تمثل جميع الدول ذات الأهمية في العالم، وتحتفظ بحق منح الجيش العراقي رخصة دخول أراضي الإقليم من عدمه، فما الذي تعد حكومة البرزاني شعبها به إذاً مقابل تحمل كلفة تحدي كل دول الجوار، ومقابل المخاطرة بالمكانة الاقتصادية التي حققتها أربيل خلال العقدين الماضيين!
لا يمكن فهم سلوك حكومة كردستان العراق إلا من خلال فهم الطريقة التي تنظر من خلالها النخبة الحاكمة في أربيل لنفسها، وتعرف عبرها مصالحها، فتاريخ قيادة رئيس الاقليم المنتهية ولايته مسعود البرزاني يشير إلى ارتباط عضوي بالمصالح الغربية، وإلى علاقات تاريخية مع إسرائيل، وإلى انفصال نفسي عن شعوب المنطقة ومشاكلها وتطلعاتها، وهو تاريخ يشبه إلى حد التطابق نموذج قيادة الجميل الكتائبية في لبنان، وكما تم إغواء بشير الجميل بمشروع إقامة اسرائيل ثانية في لبنان بواسطة اللعب على المشاعر الإثنية العنصرية لقسم من اللبنانيين، وعبر سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، لا نحتاج لجهد كبير حتى نلحظ الإعجاب الظاهر في تصريحات مسؤولي الإقليم والمثقفين المحيطين بقيادته بسياسة القوة الصهيونية، وحتى نستنتج الرهان على الحصول على الدعم الغربي، لإقامة كيان جديد يحوز المكانة والأهمية من خلال خدمة المشاريع الأميركية في المنطقة، وذلك على الرغم من تمنع المسؤولين الأميركيين عن الدعم العلني لخطوة الاستفتاء حفاظا على علاقتهم بحكومة بغداد.
نحن إذا لسنا إزاء كيان يمثل المصالح القومية الكردية في العراق، وهي كما قلنا ممثلة للحد الأقصى ضمن صيغة الحكم الحالي للإقليم الذي لا يرتبط بالحكومة العراقية المركزية إلا بخيط واه، لكننا نواجه مشروع إقامة كيان وظيفي مهمته تعويض ما كان يقوم به تنظيم داعش من تأجيج للصراعات المسلحة في المنطقة، ومن تشتيت لقوى وطاقات شعوبها حتى تأمن إسرائيل وحتى يطول أكثر أمد الوجود العسكري الأميركي في العراق، وذلك بعد أن أصبح الحشد الشعبي القوة العسكرية والسياسية الأهم فيه، وهو تحد جديد تطرحه الولايات المتحدة في وجه محور المقاومة، وذلك بعد أفول تنظيم داعش، ولكنه تحد لا ينطلق من موقع قوة كما كان تحدي غزو العراق عام 2003، أو تحدي حرب تموز 2006، أو تحدي الحرب الإرهابية على سورية التي تغطت برداء الربيع العربي عام 2011، وبلغت ذروتها مع إطلاق تنظيم داعش عام 2014، بل إنه ليس أكثر من خطوة مذعورة تهدف لشراء الوقت، وذلك بعد أن انتهت جهود تأمين إسرائيل ومحاولة استنزاف حزب اللـه خلال العقدين الماضيين إلى واقع توسع حزب اللـه على مساحة الإقليم، بحيث أصبح أمينه العام يهدد تل أبيب بأنها ستواجه في الحرب القادمة مئات الآلاف من المقاتلين الذين يجهزون على داعش اليوم وعيونهم تتجه نحو فلسطين.
تقامر واشنطن اليوم بورقة البرزاني وتغامر باستفزاز تركيا، وبإشعال مزيد من النار داخل معسكر حلفائها الذين اجتمعوا يوماً تحت رايتها على دعم الإرهاب في سورية، لكنهم يجدون أنفسهم اليوم مضطرين لتغيير تحالفاتهم وموقفهم من الدولة السورية، وذلك في ظل الحرب الوجودية التي اشتعلت بينهم، سواء على مستوى مجلس التعاون الخليجي أو على امتداد خطوط التماس التركية الكردية.