«الكيان البارزاني»

| بيروت – محمد عبيد

نجح الانفصاليون الأكراد الذين يقودهم رئيس إقليم كردستان المنتهية ولايته مسعود البارزاني في عزل أنفسهم واستدراج جاراتهم من الدول على اختلاف منطلقاتها ومصالحها إلى حصارهم، والغريب أنهم عززوا هذين العزل والحصار بمنع وسائل الإعلام العربية والأجنبية من تغطية وقائع الاستفتاء الانفصال كما حظروا تقصي النسبة الفعلية للذين قاموا بالتصويت لمصلحته أو ضده!
هي بداية فاشلة لمشروع الانفصال الموعود الذي دأبت عائلة البارزاني وأتباعها على السعي في تحقيقه منذ العام 1980 مع بدء عدوان نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على الثورة الإسلامية الصاعدة في إيران، وهي نتيجة لقراءة بارزانية-إسرائيلية مشتركة حول ضرورة الاستفادة من اللحظة السياسية المناسبة التي تسبق رسو الأزمة في سورية على موازين إقليمية جديدة لمصلحة محورها، وهي أيضاً محاولة لفرض وقائع ميدانية حدودية قبل إنجاز سيطرة الجيش العربي السوري وحلفائه على كامل الحدود السورية العراقية ما يمنع أي إمكانية لقوات البارزاني من النفاذ عبر أي معبر غير شرعي يصل إلى هذا الكانتون الانفصالي بالداخل السوري وتحديداً مع بعض الانفصاليين من الأكراد السوريين، وهو هدف محتوم للبارزاني وقواته البيشمركة قبل أو مع اكتمال عقد الحصار التركي الإيراني العراقي حوله.
وعلى الرغم من خطورة الخطوة البارزانية من حيث التأسيس لمشروع تقسيم ثانٍ لدولة عربية مركزية كالعراق بعد السودان، فإن مواجهة هذه الخطوة تفترض مقاربة هادئة تمنع البارزاني وجماعته من تحقيق أهدافهم الرامية إلى شد عصب الإخوة الأكراد من خلال إثارة المخاوف والهواجس لديهم حول استهدافهم كمكون عرقي منتشر في أكثر من دولة في المنطقة، كذلك عبر إغرائهم بإمكانية استنساخ نجاح الحركة الصهيونية في استلاب شعب واحتلال أرضه وإنشاء كيان عليها. ما يعني أن هذه المقاربة يجب أن تحقق أموراً عدة أهمها، أولاً: وضع إستراتيجية إقليمية عراقية سورية إيرانية تركية سياسية مشتركة تُحمِل البارزاني وعائلته وجماعته المسؤولية الكاملة التي ستنجم عن التداعيات السلبية لهذا الاستفتاء على مستقبل الوجود الكردي في العراق ومحيطه وعلى علاقاته مع شركائه المواطنين في العراق ومع المكونات الأخرى في الدول المجاورة. ثانياً: عدم السماح للعدو الإسرائيلي مَدَّ جسور تعاون مباشرة مع الكيان «البارزاني» المفترض، وهذا يستوجب إغلاق أجواء الدول المحيطة به وضبط معابرها البرية معه وفق آلية تكرس الفصل بين تأمين الحاجات الحياتية للمقيمين في هذا الكانتون وبين الحاجة إلى إخضاع السلطة السياسية التي تحكم هؤلاء المقيمين تبعاً لنظام مصالح عائلي وحزبي فاسد يتحكم بحاضر الأكراد ويسعى للسيطرة على مستقبلهم. ثالثاً: تمسك الحكومة المركزية في العراق بصيغة الدستور الاتحادي أو الفيدرالي كمرجعية وحيدة للبحث في تنظيم وإعادة تصحيح العلاقات بين مكونات الشعب العراقي، انطلاقاً من اعتبارها صيغة وحدوية وليس تقسيمية كفكرة الكونفدرالية التي يمكن أن يطرحها البارزاني كأرضية للحوار مع هذه الحكومة بعد الاستفتاء.
تتجه المنطقة اليوم نحو فصل جديد من فصول المواجهة مع المشاريع الأميركية- الإسرائيلية-السعودية التي سعت سابقاً وتسعى دائماً إلى إعادة تشكيلها بما يضمن تعزيز النفوذ الأميركي ومصالحه وبما يعمم النموذج الإسرائيلي ككيان عنصري طائفي كذلك بما يُبقي النظام السعودي بإمكانياته الاقتصادية والمالية وفكره الوهابي التكفيري قوة مركزية لضمان ذلك النفوذ وحماية الكيان المذكور. لكن يبدو أن هذه المواجهة لن تبدل في أولويات محور المقاومة ومعه الحليف الدولي روسيا في استكمال الإجهاز على تنظيمي داعش وجبهة النصرة والمجموعات الإرهابية المرتبطة بهما على الأراضي السورية والعراقية، وهو ما يُسقِط الهدف الأول من وراء إثارة الموضوع الكردي المتمثل بإشغال هذا المحور بصراعات جانبية تحتمل التأجيل، إضافة إلى أن إنجاز النصر على الإرهاب سيضعف حكماً مشروع البارزاني ومن خلفه. كذلك فإن هذه المواجهة ستدفع النظام التركي الذي يتعاون أحياناً ويناور أحياناً أخرى إلى التقرب أكثر من بعض أركان هذا المحور وحليفه الدولي روسيا انطلاقاً من التهديد الوجودي الذي سيمثله نشوء أي كيان انفصالي كردي على حدوده وتأثير ذلك في البنية الديمغرافية التركية، كما سيعزز اتساع المسافة وتضارب المصالح الإستراتيجية بين النظام التركي وحليفه الإستراتيجي الولايات المتحدة الأميركية وصديقه المفترض الكيان الإسرائيلي.
يبدو أن واشنطن وأتباعها لم ينجحوا حتى الآن إلا في تجميع خصومهم وأعدائهم في المنطقة وتوسيع دائرة تحالفاتهم الدولية وتبديل بعض حلفائهم التاريخيين لمواقعهم السياسية، وهو مؤشر لن يدفع الإدارة الأميركية ومؤسساتها العميقة إلى إعادة النظر بسياساتها المعتمدة في المدى المنظور.